شهد إقليم كردفان السوداني تصعيدًا ميدانيًا جديدًا بعد تعرض مدينتي الأُبيّض والرهد أبو دكنة لهجمات مكثفة بطائرات مسيّرة قتالية، في تطور يعكس استمرار حالة التوتر الأمني والعسكري التي تعيشها البلاد منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع قبل أكثر من ثلاثة أعوام.
وأسفرت الهجمات عن سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إلى جانب أضرار واسعة في البنية التحتية ومرافق حيوية مرتبطة بإمدادات الوقود والنقل.
وتُعد مدينة الأُبيّض أكبر مدن إقليم كردفان وأحد أهم المراكز التجارية واللوجستية في السودان، ما يجعل استهدافها حدثًا ذا أبعاد استراتيجية تتجاوز الخسائر المباشرة، خاصة في ظل اعتماد مناطق واسعة من الإقليم على الطرق والإمدادات القادمة عبر المدينة.
ترجيحات بتورط «الدعم السريع»
ورجحت مصادر محلية أن تكون الطائرات المسيّرة التي نفذت الهجمات تابعة لقوات الدعم السريع، التي تواصل قتالها ضد الجيش السوداني في مناطق متعددة من البلاد.
وتسيطر القوات على أجزاء واسعة من الأراضي السودانية، فيما تتبادل مع الجيش الاتهامات بشأن استهداف المنشآت المدنية والمرافق الحيوية.
وبحسب مصادر سودانية، فإن نمط الهجمات الأخيرة وطبيعة الأهداف المستهدفة يتشابهان مع عمليات سابقة شهدتها مناطق مختلفة من السودان وخاصة كردفان خلال الأشهر الماضية، حيث بات استخدام الطائرات المسيّرة أحد أبرز أدوات المواجهة العسكرية بين طرفي الصراع.
وأكد شهود عيان أن الهجمات الأخيرة استهدفت منشآت ومواقع داخل مدينة الأُبيّض، بالإضافة إلى الطريق الرئيسي الذي يربطها بالمناطق المجاورة، وهو المسار الحيوي الوحيد الذي تعتمد عليه المدينة في حركة البضائع والإمدادات.
وقال أحد سائقي الشاحنات إنه شاهد استهداف ثلاثة خزانات وقود بشكل مباشر، الأمر الذي تسبب في اندلاع حرائق ضخمة استمرت لساعات طويلة، فيما تصاعدت أعمدة الدخان الكثيف وشوهدت من مسافات بعيدة.
وأثار الحادث مخاوف من حدوث أزمة جديدة في إمدادات الوقود داخل الإقليم، خصوصًا مع تزايد الضغوط الاقتصادية والإنسانية الناجمة عن الحرب.
الرهد أبو دكنة تحت القصف
ولم تقتصر الهجمات على مدينة الأُبيّض، إذ تعرضت مدينة الرهد أبو دكنة، ثالث أكبر مدن شمال كردفان، لقصف بطائرات مسيّرة في التوقيت ذاته تقريبًا. وأفاد شهود بأن إحدى القذائف سقطت على منزل سكني، ما أدى إلى أضرار مادية كبيرة وحالة من الهلع بين السكان.
وأكدت مصادر محلية أن القصف تسبب في حالة استنفار واسعة بين الأهالي، الذين اضطر كثير منهم إلى البقاء داخل منازلهم خشية تجدد الهجمات، وسط مخاوف من تحول المنطقة إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الفترة المقبلة.
وتأتي هذه التطورات في وقت يواجه فيه السودان واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في تاريخه الحديث، حيث أدى استمرار الحرب إلى نزوح الملايين وتراجع الخدمات الأساسية وارتفاع معدلات الفقر وانعدام الأمن الغذائي في العديد من المناطق.
ويرى مراقبون أن استهداف المدن الواقعة في إقليم كردفان يعكس تحولًا في طبيعة العمليات العسكرية، مع توسع الاعتماد على الطائرات المسيّرة لضرب أهداف بعيدة عن خطوط القتال التقليدية، وهو ما يزيد من مخاطر تعرض المدنيين والمنشآت الخدمية للخطر.
كردفان في قلب المعادلة العسكرية
ويحظى إقليم كردفان بأهمية استراتيجية كبيرة نظرًا لموقعه الجغرافي الذي يربط بين وسط السودان وغربه، كما يمثل نقطة عبور رئيسية للطرق التجارية والإمدادات العسكرية. لذلك فإن أي تصعيد أمني في مدنه الرئيسية ينعكس بشكل مباشر على حركة النقل والتجارة والأوضاع الإنسانية في مناطق واسعة من البلاد.
ومع استمرار تبادل الضربات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، تبدو كردفان مرشحة لمزيد من التوتر خلال الفترة المقبلة، في ظل غياب مؤشرات واضحة على قرب التوصل إلى تسوية سياسية تنهي الحرب وتضع حدًا لمعاناة المدنيين الذين يدفعون الثمن الأكبر للصراع المستمر.




