في أحد أزقة خان يونس، كان صوت بكاء الرضيع عيد محمود أبو جامع بالكاد يُسمع قبل أن يخفت تدريجياً، كأنه استسلم لجوعه. لم يتجاوز عمره الشهرين ونصف، لكنه كان يخوض معركة أكبر من جسده الصغير، معركة ضد سوء التغذية الحاد الذي ينهش أطفال غزة بصمت.
عجز الآباء والأمهات
والدته حملته بين ذراعيها، تحاول أن تُسكت أنينه بقطرات ماء أو بحليب قليل لم يتوفر إلا نادراً، بينما والده يقف عاجزاً أمام عيون طفله التي فقدت بريقها قبل أوانها. وفي صباح الأحد، توقف قلب عيد عن النبض، ليُسجل رقماً جديداً في قائمة الرضع الذين لم تمنحهم الحياة فرصة النجاة.
قصة عيد ليست استثناءً، بل هي مرآة لمأساة مئات الرضع الذين يولدون في غزة وسط الحصار والقصف ونقص الغذاء والدواء. في المستشفيات التي بالكاد تعمل، تزدحم الحاضنات بأطفال يعانون من الهزال، أجساد نحيلة تتشبث بخيط الحياة، بينما أمهاتهم يقفن إلى جوارهم بقلوب مثقلة بالعجز والخوف.
الأطباء يصفون المشهد بأنه كارثة صامتة، إذ يتزايد عدد الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد يوماً بعد يوم، في ظل انعدام الحليب الصناعي ومغادرة كثير من الكوادر الطبية قسراً بسبب الحرب.
جريمة في حق جيل
على أبواب الصيدليات المغلقة، تبحث الأمهات عن علبة حليب لا تُوجد، أو عن جرعة دواء تلاشت من الأسواق. وفي البيوت المهدمة أو الملاجئ المؤقتة، يجاهد الرضع للبقاء على قيد الحياة في بيئة لا تُبقي لهم الحد الأدنى من مقومات النمو. وبينما ينشغل العالم بأرقام الضحايا الكبار، يظل هؤلاء الصغار مجرد ظلال باهتة لمأساة تتفاقم بصمت.
رحيل عيد محمود أبو جامع ليس مجرد قصة طفل توقف عن البكاء، بل هو شهادة دامغة على جريمة أكبر تُرتكب في حق جيل كامل يُحاصر بين الجوع والقصف. إنه صرخة مكتومة تقول إن الأطفال الرضع في غزة لا يموتون فقط بالقنابل، بل أيضاً بالجوع الذي يُفرض عليهم حصاراً قاسياً لا يرحم.






