تكشف نتائج استطلاع الرأي الإسرائيلي الأخير، الذي نشرته صحيفة «معاريف»، عن تغير ملحوظ في المزاج العام تجاه الخطة الأميركية التي يُتوقع أن يطرحها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لإنهاء الحرب في غزة. ففي لحظة سياسية وأمنية شديدة الحساسية داخل إسرائيل، يظهر الاستطلاع أن غالبية الجمهور، بما في ذلك نسبة ملحوظة من ناخبي الائتلاف اليميني الحاكم، باتوا يميلون نحو تأييد المبادرة، في سابقة منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023.
هذا التحول يحمل دلالات سياسية عميقة، ليس فقط على مستوى الموقف من الخطة ذاتها، وإنما على مستوى المناخ الداخلي في إسرائيل، وإرهاق الرأي العام من حرب ممتدة بلا أفق، رغم الخطاب الحكومي الذي يروّج لاستكمال “الأهداف الأمنية” في القطاع.
تراجع قدرة نتنياهو
تأييد 41% من ناخبي الائتلاف الحكومي للخطة، مقابل معارضة 33%، يُعد مؤشراً على تراجع قدرة نتنياهو وحلفائه من اليمين المتشدد على الحفاظ على هيمنة خطاب القوة والعناد. بل إن الفارق في تأييد الخطة لدى ناخبي المعارضة (72% مقابل 4%) يكشف عن شبه إجماع لدى فئة واسعة من الإسرائيليين على ضرورة الخروج من دوامة الحرب، ولو عبر مبادرة دولية خارج الإطار التقليدي الإسرائيلي.
الأكثر لفتاً في نتائج الاستطلاع، هو أن هذه النسب تظهر في لحظة لم تُعرض فيها الخطة رسمياً بعد، بل جرى فقط تسريب بعض بنودها عبر الإعلام، وهي بنود ما زالت قابلة للتعديل وفق تطورات المفاوضات المرتقبة بين واشنطن وتل أبيب. ورغم ذلك، فإن الاستعداد الشعبي لتقبل الخطة، حتى دون تفاصيل نهائية، يؤكد أن الرأي العام بات أكثر انفتاحاً على تسوية، حتى لو جاءت من خارج المنظومة السياسية الإسرائيلية.
مخرج سياسي
وربما يعود ذلك إلى مجموعة من العوامل المتراكمة، أبرزها:
الإرهاق المجتمعي من الحرب: أكثر من عام من القتال المستمر، مع ما يرافقه من خسائر بشرية، وتكاليف اقتصادية باهظة، وتراجع في المكانة الدولية، دفع قطاعات من الجمهور إلى البحث عن مخرج سياسي، بعد أن بات الخيار العسكري غير كافٍ لتأمين شعور حقيقي بالانتصار أو الردع.
تراجع الثقة بنتنياهو وائتلافه: تتزامن نتائج هذا الاستطلاع مع سلسلة من الانتقادات الموجهة لأداء الحكومة، خصوصاً في ما يتعلق بإدارة الحرب، والتعامل مع ملف الرهائن، والانقسام الداخلي المتزايد بين مؤسسات الدولة (الجيش، القضاء، الإعلام، جهاز الأمن الداخلي). وهو ما أضعف صورة “القيادة الحاسمة”، التي طالما لعب عليها نتنياهو لتعزيز شرعيته السياسية.
الميل إلى التدخل الأميركي كرافعة لتسوية: رغم مواقف ترمب السابقة الداعمة بقوة لليمين الإسرائيلي، فإن عودة اسمه كمبادر إلى خطة سلام – حتى وإن لم تُعلن رسمياً بعد – يحمل نوعاً من الطمأنة للناخب الإسرائيلي اليميني، بأن الأمر لن يُفرض من قبل إدارة معادية، بل من قبل شخصية تنتمي للمعسكر ذاته، وتفهم “الخطوط الحمراء” الإسرائيلية.
حكومة تكنوقراط فلسطينية
لكن في مقابل هذا الميل الشعبي نحو الخطة، يبقى السؤال الأكبر مرتبطاً بإرادة القيادة السياسية. إذ تُظهر التجربة أن نتنياهو، وإن أبدى مرونة تكتيكية أمام الضغوط الدولية أو الشعبية، فإنه غالباً ما يلجأ إلى تفريغ المبادرات من مضمونها الحقيقي، إما عبر التأجيل، أو إعادة التعريف، أو فرض شروط جديدة تقوّض التطبيق. وهذا ما شهدناه مع مبادرة السلام العربية، ومع كل محاولة لإعادة تحريك عملية سياسية حقيقية مع الفلسطينيين.
من هنا، فإن الدعم الشعبي المتزايد للخطة الأميركية – حتى في صفوف اليمين – لا يضمن بأي حال من الأحوال تبنيها رسمياً من قبل الحكومة الإسرائيلية، خصوصاً أن الائتلاف الحاكم يضم قوى دينية وقومية متشددة ترفض من حيث المبدأ أي انسحاب أو تسوية مع الفلسطينيين، ناهيك عن الشروط المتعلقة بتسليم الحكم في غزة لحكومة تكنوقراط فلسطينية، أو التلميح لمسار نحو إقامة دولة فلسطينية.
تغيير حسابات الحكم
إضافة إلى ذلك، تبرز معضلة القيادة الإسرائيلية اليوم في شخص نتنياهو نفسه، الذي باتت أولوياته السياسية متمحورة حول نجاته القضائية، أكثر من اهتمامه بأي مشروع تسوية تاريخي. وفي هذا السياق، فإن نجاح أي خطة أميركية سيتطلب إما كسر هذا الجمود في القيادة، أو تجاوز نتنياهو تماماً، عبر توافق داخلي وخارجي على مرحلة سياسية جديدة، يبدو أنها لم تنضج بعد، لا على المستوى الإسرائيلي ولا على المستوى الإقليمي.
في الخلاصة، يظهر استطلاع الرأي أن هناك فرصة، ولو نسبية، لإعادة فتح نافذة الحل السياسي، إذا ما تم استثمار المزاج الشعبي المتغير، وتصعيد الضغط السياسي على الحكومة الإسرائيلية. لكن هذه الفرصة، إن لم تُترجم إلى خطوات ملموسة من قبل اللاعبين الدوليين والإقليميين، فقد تبقى حبيسة استطلاعات الرأي، التي تعكس تطلع الناس إلى نهاية الحرب، دون أن تكون كافية لتغيير حسابات الحكم الفعلية في إسرائيل.






