تشهد ليبيا موجة من الاحتجاجات ضد الحكومة، بسبب تدهور الخدمات وغلاء المعيشة، بل يعكس المشهد، تصاعد سياسي خطير يكشف عمق أزمة الشرعية التي تعصف بالمشهد الليبي. وخرجت أصوات من شوارع مصراتة وطرابلس والزاوية، كانت تُحسب حتى وقت قريب على الحاضنة الاجتماعية لحكومة الوحدة الوطنية، مطالبةً برحيل عبد الحميد الدبيبة واتباعه، ووضع حد لمرحلة انتقالية تحولت إلى واقع دائم بلا تفويض شعبي أو أفق واضح.
ويحاول الدبيبة امتصاص الغضب عبر الحديث عن تعديل وزاري، ولكن الشارع يطرح سؤالًا جوهريًا: هل باتت حكومة منتهية الولاية عبئًا على الاستقرار بدل أن تكون جسرًا نحو الانتخابات؟ هذا الملف الخاص يفتح كواليس الاحتجاجات، ويفكك دلالاتها السياسية، ويبحث في تآكل الشرعية، وصراع المصالح، والسيناريوهات المحتملة لمستقبل السلطة في ليبيا.
مطالب شعبية بإسقاط حكومة الدبيبة
وخرجت مظاهرات حاشدة، الجمعة، بمدينة مصراتة للمطالبة برحيل حكومة الوحدة الوطنية وجميع الأجسام السياسية في ليبيا، كما نادوا بإنهاء المراحل الانتقالية وتغيير الوضع والنظام السياسي الحالي. ورفع المشاركون شعارات ولافتات تدعو لإسقاط حكومة عبد الحميد الدبيبة ورحيل جميع الوجوه السياسية في شرق وغرب البلاد، مردّدين هتافات من بينها “ارحلوا”، كما طالبوا بوضع حد للفساد المتفشي في جميع مؤسسات الدولة، داعين الليبيين في بقية المدن للخروج في مظاهرات سلمية من أجل فرض الإرادة الشعبية وانتزاع الحقوق.
وطالب المحتجون إلى جانب إسقاط الأجسام التي وصفوها بـ”غير الشرعية”، بضرورة المضي نحو إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة تنهي كل المراحل الانتقالية، وتعيد الشرعية كاملة إلى الشعب.
وبينما يضغط الشارع لرحيل جميع متصدري المشهد السياسي، يعتزم رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، إجراء تعديلات وزارية خلال الأيام القليلة المقبلة، تشمل سد الشواغر في عدد من الحقائب، في خطوة قالت حكومته إنها تستهدف رفع الكفاءة وتحسين الأداء المؤسسي، إلى جانب توسيع قاعدة التوافق السياسي بما يتلاءم مع متطلبات المرحلة المقبلة.
تآكل الشرعية الشعبية
من جانبه، قال المحلل السياسي الليبي، الدكتور خالد محمد الحجازي، على الأمر بالقول، إن تجدد الاحتجاجات المناهضة لحكومة الوحدة الوطنية في غرب ليبيا، خلال الفترة الأخيرة، لا يمكن قراءته كحدث عابر أو موجة غضب مؤقتة، بل يعكس تحوّلًا أعمق في المزاج العام داخل مناطق كانت تُعدّ، إلى وقت قريب، ضمن المجال الحيوي للحكومة، فخروج هذه الاحتجاجات من طرابلس ومدن الغرب، مع رفع شعارات تطالب برحيل الحكومة، وإجراء انتخابات عامة، يمنحها دلالة سياسية مضاعفة تتجاوز بعدها المعيشي أو الخدمي”. حسب إرم نيوز.
وأضاف الحجازي، أن أولى دلالات هذه الاحتجاجات تتمثل في تآكل الشرعية الشعبية، فقد استندت حكومة الوحدة الوطنية، منذ تشكيلها، إلى قبول اجتماعي نسبي ورغبة عامة في إنهاء الانقسام، وتهيئة البلاد للانتخابات. ومع فشل هذا الاستحقاق، وتدهور الأوضاع الاقتصادية والخدمية، بدأ هذا الرصيد الشعبي في التآكل، ليحل محله شعور واسع بالإحباط من استمرار المرحلة الانتقالية بلا أفق واضح”.
وشدد على أنّ “الدلالة الثانية تتعلق بالإرهاق من النخب الحاكمة، فالمحتجون لا يعبّرون فقط عن رفضهم لأداء الحكومة، بل عن رفضهم لمنطق إدارة الوقت الذي طبع المرحلة الانتقالية، حيث تحوّلت السلطة المؤقتة إلى واقع دائم، دون تفويض انتخابي أو مساءلة فعلية. لذلك، فإن مطلب الانتخابات لم يعد مجرد شعار سياسي، بل أصبح عنوانًا جامعًا لغضب اجتماعي وسياسي متراكم”. حسب إرم نيوز.
هل التعديل الوزاري يهدئ الشارع؟
وبين الحجازي قائلاً: “أما على مستوى تأثير هذه الاحتجاجات على موقع رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة، فهي تُضعفه سياسيًا دون أن تُسقطه مباشرة. فالدبيبة يواجه، اليوم، أزمة ثقة واضحة، خاصة بعد إخفاقه في تنفيذ تعهده الأساس بإجراء الانتخابات. غير أن ذلك لا يعني أن حكومته باتت على وشك الانهيار، إذ لا تزال حكومة الوحدة الوطنية تملك أدوات السلطة التنفيذية والمالية، إضافة إلى غياب بديل سياسي توافقي قادر على فرض نفسه”.
وأكد أنه في هذا السياق، يبرز الحديث عن تعديل وزاري كخيار مطروح. ويمكن فهم هذا التوجه باعتباره محاولة لامتصاص الغضب الشعبي، وإعادة تدوير الأزمة، عبر تحميل بعض الوزراء مسؤولية الفشل، دون المساس بجوهر السلطة. غير أن أي تعديل، ما لم يُرفق بخريطة طريق واضحة نحو الانتخابات وضمانات لتنفيذها، سيبقى إجراءً شكليًا لا يعالج أصل المشكلة”.
في المقابل، قال نائب رئيس حزب الأمة الليبي، أحمد دوغة: “بالفعل، هناك احتجاجات غرب ليبيا مناهضة ليس للدبيبة فقط بل لكل الأجسام الأخرى، بما في ذلك الحكومة، والبرلمان، والمجلس الأعلى للدولة”. وأضاف دوغة “لذلك طالب المتظاهرون برحيل كل هذه الأجسام، وكذلك إجراء انتخابات عامة برلمانية ورئاسية، ولكن تعثر هذه الانتخابات هو بسبب عدم التوافق بين البرلمان والمجلس الأعلى للدولة”.
دلالة سياسية مضاعفة
ولفت إلى”أن الدبيبة يعتقد أنّ تعطّل هذه الانتخابات يعطيه مساحة لكي يقوم بتعديل وزاري، لكن عموماً هذه الاحتجاجات تعكس تململ المواطن الليبي من الأوضاع الحالية، واستشراء الفساد، وأيضاً حكم العائلات”. حسب إرم نيوز.
ويرى مراقبون أن هذا التداخل بين المعيشي والسياسي يعكس حالة إرهاق عام من إدارة المرحلة الانتقالية، حيث بات المواطن يشعر بأن الأزمات اليومية ليست منفصلة عن طبيعة الحكم المؤقت، وغياب المساءلة، واستمرار الفساد، وتغليب المصالح الضيقة على حساب المصلحة العامة.
يمنح خروج الاحتجاجات من مدن كبرى في غرب البلاد، كانت تُعد حتى وقت قريب ضمن الحاضنة الاجتماعية للحكومة، دلالة سياسية مضاعفة. فهذه التحركات لا يمكن قراءتها بوصفها موجة عابرة، بل مؤشرًا على تراجع الرصيد الشعبي الذي استندت إليه الحكومة منذ تشكيلها، عندما قُدّمت باعتبارها سلطة انتقالية مهمتها الأساسية توحيد المؤسسات وتهيئة البلاد للاستحقاق الانتخابي. حسب أخبار ليبيا.






