مع دخول الحرب الإسرائيلية الفلسطينية مرحلة أكثر تعقيداً واستنزافاً في عام 2026، لم تعد تداعيات الصراع محصورة في حدود المواجهة العسكرية داخل قطاع غزة، بل امتدت تدريجياً لتطال بنية النظام السياسي الفلسطيني ومصادر بقائه المالية والإدارية. وفي وقت تخيم فيه حالة من الجمود على المفاوضات الجارية بوساطة مصرية وقطرية وبدعم أمريكي، برزت خلال الأسابيع الأخيرة مؤشرات أوروبية تعكس تحولاً سياسياً لافتاً في طريقة التعاطي مع حركة حماس ومستقبل حضورها داخل المعادلة الفلسطينية في مرحلة ما بعد الحرب.
الاتفاق السياسي الذي توصل إليه وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي خلال اجتماعهم في بروكسل في مايو/أيار 2026 بشأن فرض حزمة عقوبات جديدة على قادة وشخصيات بارزة في حركة حماس، لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد خطوة قانونية معزولة أو رداً متأخراً على أحداث السابع من أكتوبر فحسب، بل باعتباره جزءاً من محاولة أوروبية أوسع لإعادة رسم حدود الدور السياسي والتنظيمي الذي يمكن أن تلعبه الحركة مستقبلاً. ورغم أن بروكسل لم تعلن بعد القائمة النهائية للأسماء المستهدفة، فإن التصريحات الصادرة عن العواصم الأوروبية، ولا سيما الفرنسية، أوضحت أن العقوبات تستهدف قيادات تعتبرها أوروبا مسؤولة بشكل مباشر عن القرارات التي قادت إلى اندلاع الحرب الحالية.
غير أن الأهمية الحقيقية لهذه العقوبات لا تكمن في بعدها السياسي أو الرمزي فقط، وإنما في تداعياتها المحتملة على الواقع الفلسطيني الهش أصلاً. فداخل الضفة الغربية تتزايد المخاوف من أن تتحول هذه الإجراءات تدريجياً إلى مدخل لإعادة تقييم منظومة المساعدات المالية الدولية المقدمة للسلطة الفلسطينية. ويكتسب هذا القلق أهمية مضاعفة بالنظر إلى أن الاتحاد الأوروبي يمثل أحد أكبر الممولين للمؤسسات المدنية والخدمية الفلسطينية، وأن أي تقليص أو تجميد لهذه المساعدات سيضع السلطة أمام أزمة مالية أكثر خطورة، في وقت تعاني فيه بالفعل من تراجع الإيرادات، واحتجاز إسرائيل لأموال المقاصة، والانكماش الاقتصادي الناتج عن استمرار الحرب.
وتتعمق هذه المخاوف في ظل تنامي القلق الأوروبي من توسع نفوذ حماس داخل الضفة الغربية، لا سيما بعد انتخاب زاهر جبارين قائداً جديداً للحركة هناك. فبالنسبة لعدد من الدوائر الغربية، لم يعد الأمر يتعلق بمجرد نشاط تنظيمي محدود، بل باحتمال انتقال مركز الثقل السياسي والأمني تدريجياً نحو الضفة في مرحلة شديدة الحساسية، وهو ما يفسر اللهجة الأوروبية الأكثر تشدداً تجاه أي تمدد قد يُنظر إليه باعتباره تهديداً للاستقرار الهش الذي تقوم عليه مؤسسات السلطة الفلسطينية.
وفي هذا السياق، تبدو الساحة الفلسطينية وكأنها تدفع مجدداً ثمن غياب الرؤية الوطنية الموحدة والقرار السياسي المشترك. فحماس، التي ترى أن الحرب الحالية أعادت تثبيت حضورها السياسي والإقليمي رغم الكلفة الإنسانية والمادية الهائلة، تواجه في المقابل أسئلة فلسطينية داخلية متزايدة حول حدود حساباتها السياسية ومدى واقعيتها. ولم يعد النقاش الفلسطيني يتركز فقط حول شرعية المقاومة باعتبارها حقاً مشروعاً، بل امتد أيضاً إلى الكلفة السياسية والاجتماعية الناتجة عن غياب التقدير الدقيق لموازين القوى الدولية والإقليمية، وانعكاسات القرارات العسكرية والتنظيمية على المجتمع الفلسطيني بأكمله.
وهنا يبرز النقد الموضوعي لأداء الحركة؛ إذ إن توسيع النشاط التنظيمي داخل الضفة الغربية، أو إدارة المواجهة والمفاوضات بمنطق فصائلي منفصل عن وضع السلطة الفلسطينية الهش، يمنح القوى الدولية مساحة أوسع لاستخدام أدوات الضغط المالي والسياسي ضد الفلسطينيين عموماً، حتى وإن كان الاستهداف المعلن موجهاً نحو قيادات بعينها. كما أن استمرار الخطاب السياسي التقليدي دون مراجعات حقيقية لتجربة الانقسام والحكم يساهم في تعميق العزلة الدولية في لحظة تحتاج فيها القضية الفلسطينية إلى أكبر قدر ممكن من التماسك السياسي والدبلوماسي.
لكن في المقابل، لا يمكن عزل هذا المشهد عن الإخفاق الإسرائيلي المستمر في تقديم أي أفق سياسي واضح للحرب. فبعد شهور طويلة من العمليات العسكرية الواسعة والدمار غير المسبوق في قطاع غزة، لا تبدو إسرائيل أقرب إلى تحقيق حسم سياسي أو أمني حقيقي، كما أن حكومة بنيامين نتنياهو ما تزال تتعامل مع الصراع باعتباره ملفاً أمنياً يمكن احتواؤه بالقوة العسكرية وحدها، رغم أن التجربة التاريخية أثبتت مراراً أن غياب التسوية السياسية يعيد إنتاج الانفجار بصورة أكثر تعقيداً.
ويظهر هذا الانسداد بوضوح في مسار المفاوضات الجارية؛ إذ تتمسك إسرائيل بشرط إقصاء حماس ونزع سلاحها كأساس لأي ترتيبات مستقبلية، بينما تصر الحركة على وقف شامل للحرب وانسحاب عسكري كامل من القطاع قبل الالتزام بأي اتفاق نهائي. وبين هذين الموقفين، تتحرك الوساطات الإقليمية ضمن هامش ضيق للغاية، في ظل انعدام الثقة المتبادلة وتصاعد الضغوط الداخلية على مختلف الأطراف.
المعضلة الأساسية هنا أن الاتحاد الأوروبي، رغم محاولاته الظهور بمظهر الطرف المتوازن عبر فرض عقوبات أيضاً على مستوطنين ومنظمات إسرائيلية متهمة بممارسة العنف في الضفة الغربية، يجد نفسه أمام تناقض سياسي وأخلاقي واضح. فالتلويح بتقليص المساعدات أو ربطها بالوضع التنظيمي الداخلي قد يؤدي عملياً إلى إضعاف المؤسسات المدنية الفلسطينية ذاتها التي يطالب المجتمع الدولي بالحفاظ عليها باعتبارها الشريك الضروري في أي ترتيبات تتعلق بـ«اليوم التالي» للحرب.
تقف القضية الفلسطينية أمام مرحلة دقيقة كشفت حدود المقاربات التقليدية لدى مختلف الأطراف. إسرائيل لم تنجح في فرض استقرار دائم بالقوة العسكرية، وحماس تواجه تحدي تحويل المواجهة الميدانية إلى مسار سياسي يخفف الكلفة الإنسانية والاستراتيجية للحرب، بينما تبدو السلطة الفلسطينية أكثر هشاشة أمام الضغوط المالية والسياسية المتراكمة.
أما التحدي الفلسطيني الأعمق اليوم، فلم يعد يقتصر على إدارة المواجهة مع الاحتلال، بل يمتد إلى ضرورة إنتاج رؤية وطنية قادرة على الموازنة بين الحقوق المشروعة ومتطلبات حماية المجتمع من الانهيار الشامل. فاستمرار إدارة الصراع بعقلية الانقسام والمحاور المنفصلة لن يؤدي سوى إلى تعميق الأزمة، وفتح المجال أمام القوى الدولية والإقليمية لإعادة صياغة المشهد الفلسطيني وفق حساباتها الخاصة، لا وفق متطلبات حماية المجتمع الفلسطيني ومنع انهيار ما تبقى من مؤسساته.




