النية الخبيثة لإسرائيل في إبادة غزة، باتت واضحةالمعالم، ويعكس ذلك قيام جيش الاحتلال، بتوسيع العملية العسكرية، في كافة أنحاءالقطاع، وأصبح المدنيون في مرمى قذائف الاحتلال بشكل مباشر، وتحولت العدوان منملاحقة عناصر حركة حماس، إلى حرب شاملة على قطاع غزة بالكامل.
الحديث عن مفاوضات للتوصل إلى هدنة، أحدث بصيص منالأمل بين سكان غزة، القابعين وسط الركام، لا يملكون «كثرة خبز»، في انتظار قرار طال انتظاره، خاصة بعد قيام «حماس»، بالإفراج عن الأسير الأمريكي «عيدان أكسندر»، وهو القرار الذي دفع الرئيس الأمريكي ترامب، للتدخل والتوسط في مفاوضات الدوحة، التيتقودها مصر وقطر، لإنقاذ من كُتب له النجاة من الحرب المدمرة.
صراع إقليمي
«وساطة ترامب» بثت حالة من التفاؤل لدى «الغزيين»، خاصة لأنهم يعلمون أن الولايات المتحدة، هي الداعم الرئيسي لإسرائيل، ولديها القدرة على ممارسة ضغوط قوية، على حكومة نتنياهو لإبداء مرونة، لوقف إطلاق النار وإدخال المساعدات الإنسانية، ولكن سرعان ما تبخر الأمل، في ظل التصريحات الصادرة عن مسؤولين إسرائيليين بتوسيع العملية العسكرية في غزة، وهو ما تسبب في حالة من اليأس والإحباط لدى سكان غزة.
ما يحدث في غزة، يؤكد أن هناك صراع إقليمي، يدعم حماس من ناحية، ويحرص على بقاء غزة تحت سيطرتها، ومن ناحية أخرى، هناك أطرف تدعم إسرائيل، للقضاء على حركة حماس نهائيًا، خاصة وأن المنظمات الدولية والولايات المتحدة، قاموا بتصنيفها كـ«منظمة إرهابية»، تدعهما إيران، ويبقى شعب غزة ضحية الصراع القائم بين حماس وجيش الاحتلال.
شهادات من رحم المأساة
الوضع الإنساني في غزة، أصبح يمثل مأساة حقيقية، لا ينظر إليها طرفي الصراع، بل يسعيان إلى تحقيق مكاسب سياسية. حماس ترغب في الحفاظ على كيانها السياسي، وسيطرتها على حكمة غزة، الذي انفردت به منذ انقلابها على السلطة الفلسطينية في غضون عام 2007، وعلى الجانب الآخر، يرى «نتنياهو»، أن استمرار الحرب، وتوسيع العملية العسكرية، وإسقاط أكبر عدد من الضحايا، هو انتصار سياسي له، في ظل حالة الغضب التي تسيطر على المجتمع الإسرائيلي، بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية جرّاء الحرب، والاحتجاجات المستمرة من جانب أسر الرهائن المحتجزين لدى «حماس».
حالة الإحباط واليأس التي تسيطر على سكان غزة، جاءت نتيجة شعورهم بأنهم «ورقة»، يناور بها طرفي الصراع، لتحقيق مكاسب على حسابهم، وليس من أجل المصلحة العامة، وهو ما ظهر من خلال روايات بعض سكان غزة، فقال «محمد» وهو أب لثلاثة أطفال من حي الشجاعية «كل يوم نصحى على صوت الطيارات، وكل ليلة ننام وإحنا مش متأكدين إذا بنصحى تاني ولا لأ.. بنتي الصغيرة صارت ترتعب من أي صوت عالي، حتى لو كان صوت باب.. العيد قرب، وإحنا ما معنا نشتري خبز، كيف بدنا نفرّح أولادنا؟!».
وذكرت «أم أنس» أرملة في الخمسينات من عمرها، تقيم في مدرسة تتحول لمأوى: «هايتالت مرة بنتهجّر من بيتنا، وبالمرة الأخيرة البيت كله راح.. كان نفسي استقبل العيد ببيتي،حتى لو ما في أكل.. بس شو بنعمل؟ صرنا نحكي مع ربنا مباشرة، لأنه ما في حد غيرهسامعنا».
وقال «سليم»، طالب جامعي لم يتمكن من مواصلة دراسته:«كان عندي منحة برة غزة، بس الحرب أجّلت كل إشي، والآن ضاعت السنة الدراسية.. بحس حاليمحاصر مش بس بجدار، حتى بأحلامي كل شي معلق، لا مستقبل، ولا حتى حياة طبيعية».
وفي جملة واحدة، قال طفل في العاشرة، أثناء توزيعمساعدات غذائية: «أنا بس بدي أرجع على مدرستي، أرجع ألعب مع صحابي.. ليه بنعيشهيك؟ إحنا شو عملنا؟».
صورة رمزية للمفاوضات
هذه الشهادات، رغم بساطتها، تختصر واقعًا مريرًا لا يمكن تجميله. عيد الأضحى يقترب، ولا توجد مؤشرات لانفراجه في المفاوضات التي تُجرى، وأصبحت تمثل صورة رمزية، رغم الجهود المبذولة من الأطراف، بسبب «العند» بين حماس وإسرائيل، وبالتالي لن يشعر سكان غزة بفرحة العيد، ولكن يستمر الشعور بالخوف، وسط أصوات القذائف.
اقتراب عيد الأضحى في أي مجتمع، يمثل فرحة حقيقة ينتظرها الكبار والصغار، على عكس مجتمع غزة، فالسكان لا يملكون رفاهية شراء الملابس الجديدة، ولا ذبح الأضاحي، وهو أمر له تأثير اجتماعي وديني خطير، بسبب الواقع المفروض على «الغزيين». الوضع الحالي يحتاج إلى مقاربة إنسانية قوية، بعيدًا عن الحسابات السياسية المعقدة، لتخفيف ولو جزء بسيط من وطأة الحرب، خاصة في ظل غياب أفق سياسي واضح يُبشر بانفراجة حقيقية لوقف إطلاق النار.






