أشعلت الأزمة السياسية والعسكرية في حضرموت، الانقسام داخل معسكر التحالف العربي، منذ اندلاع الحرب في اليمن، بعدما خرج الخلاف السعودي–الإماراتي إلى العلن ببيانات رسمية غير مسبوقة. دخول سفن محمّلة بأسلحة وذخائر إلى ميناء المكلا خارج الأطر القانونية، أعاد خلط الأوراق سياسياً وعسكرياً، ودفع الرياض إلى الانتقال من منطق الاحتواء إلى الردع المحدود.
وفي ظل تصعيد المجلس الانتقالي الجنوبي، وتحذيرات دولية من اتساع دائرة الصراع، يطرح المشهد اليمني أسئلة مصيرية حول مستقبل التحالف، وحدود الشراكة الإقليمية، ومآلات حضرموت التي باتت نقطة تقاطع حادة بين الأمن، والسيادة، وصراع النفوذ في واحدة من أكثر الساحات حساسية في المنطقة.
تحالف دعم الشرعية يكشف الخروقات
وفي بيان رسمي حمل نفياً وتوضيحاً حاسماً لما ورد في بيان وزارة الخارجية الإماراتية، أعلنت قيادة القوات المشتركة لتحالف دعم الشرعية في اليمن عن خروقات ومخالفات جسيمة ارتبطت بدخول سفينتين إلى ميناء المكلا بطريقة مخالفة للإجراءات المتبعة، ودون الحصول على التصاريح اللازمة من الحكومة اليمنية الشرعية أو قيادة التحالف.
وأوضح اللواء الركن تركي المالكي، المتحدث الرسمي باسم قوات التحالف، أن السفينتين دخلتا المياه الإقليمية اليمنية وأغلقتا جهاز التتبع والتعريف قبل الدخول، مما يُعدّ مخالفة صريحة للقوانين البحرية والإجراءات المعمول بها في مثل هذه الحالات. وأضاف أن دخول السفينتين إلى ميناء المكلا تزامن مع إغلاق الميناء وإخراج جميع العاملين والموظفين المحليين، مشيراً إلى أن السفينتين كانتا تحملان أكثر من 80 عربة بالإضافة إلى حاويات محملة بأسلحة وذخائر.
وأفاد المالكي بأنه تم توثيق عملية الوصول والتفريغ، وتم إبلاغ المسؤولين على مستوى عالٍ في دولة الإمارات العربية المتحدة بضرورة منع خروج هذا الدعم العسكري من ميناء المكلا، لتفادي انتقاله إلى مناطق الصراع التي تهدد الأمن والاستقرار.
تصعيد إماراتي مرفوض
ومع ذلك، بيّن المتحدث الرسمي أن الجانب الإماراتي -دون إبلاغ الجانب السعودي- قام بنقل العربات والحاويات إلى قاعدة الريان، التي يوجد فيها عدد محدود من العناصر الإماراتية وقوات مشاركة في التصعيد، ما اعتبرته قيادة التحالف تصعيداً مرفوضاً ومخالفاً لمبادئ التحالف.
وأشار المالكي إلى أنه تم إبلاغ الجانب الإماراتي الشقيق بعدم قبول هذه الممارسات التي تغذي الصراع، وطُلب إعادة العربات إلى الميناء، حيث تم تنفيذ ذلك فعلياً، فيما بقيت حاويات الأسلحة في قاعدة الريان. ولفت إلى أن معلومات مؤكدة وصلت قيادة التحالف تفيد بأن هناك نية لنقل وتوزيع هذه الحاويات إلى مواقع عدة في وادي وصحراء حضرموت، ما سيزيد من وتيرة التصعيد والتوتر، وهو ما دفع قيادة التحالف إلى اتخاذ إجراءات عسكرية محدودة في فجر الثلاثاء، حفاظاً على سلامة المدنيين والممتلكات العامة.
وأكد المتحدث باسم تحالف دعم الشرعية في اليمن أن العملية تمت وفق قواعد الاشتباك لضمان عدم سقوط ضحايا أو حدوث أضرار، مشيراً إلى أن الحاويات المتبقية لا تزال تحت السيطرة في قاعدة الريان حتى اللحظة.
أميركا تطالب بضبط النفس
من جانبه، وصف الباحث المتخصص في شؤون اليمن والخليج لدى “معهد تشاتام هاوس” في لندن فارع المسلمي، الوضع في اليمن، بأن المجلس الانتقالي قد تجاوز “الخطوط الحمراء” للرياض، محذّرا من أنه قد يتفاقم بسرعة. وصرح الباحث قائلا: “من السيء إهانة السعودية، ولكن الأسوأ من ذلك بكثير هو إهانتها علنا. وهذا ما فعلوه بالضبط”. (المجلس الانتقالي الجنوبي) ورغم القصف الذي لم يخلف خسائر بشرية، أكد المجلس أن ذلك لن يثني الجنوبيين عن استعادة “كامل حقوقهم”، مبديا انفتاحه على “ترتيبات” أمنية. ورأى أن القصف “لن يخدم أي مسار تفاهم ولن يثني شعب الجنوب عن المضي نحو استعادة كامل حقوقه”.
من جانبها، حثت الولايات المتحدة الأمريكية على لسان وزير خارجيتها ماركو روبيو، على “ضبط النفس”. فيما تجنب الانحياز لأي طرف بين السعودية والإمارات، وهما شريكان رئيسيان لواشنطن. وفي بيان، قال روبيو “نحض على ضبط النفس ومواصلة الجهود الدبلوماسية بما يفضي للتوصل إلى حل دائم”، مضيفا: “نحن ممتنون لشركائنا، المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، على قيادتهم الدبلوماسية”.
وأدانت الرياض المكاسب الإقليمية “الأحادية”، مستنكرة “التصعيد غير المبرر”. كما أعربت عن أملها في “انسحاب عاجل لقوات المجلس الانتقالي الجنوبي ” من محافظتي المهرة وحضرموت. وفي مؤشر آخر على تصاعد التوتر، تم حشد أكثر من 15 ألف مقاتل يمني مدعومين من السعودية في مناطق استراتيجية على طول الحدود بين البلدين، وفقًا لمسؤول عسكري يمني.
الإمارات تعلن الانسحاب
وأعلنت الإمارات إنهاء وجودها العسكري في اليمن، بعد توتر علني مع السعودية بشأن دعمها لتحركات المجلس الانتقالي الجنوبي، وطلب المجلس الرئاسي اليمني لأبو ظبي بخروج قواتها العسكرية من اليمن خلال 24 ساعة.
وقالت وزارة الدفاع الإماراتية “إن القوات المسلحة الإماراتية أنهت وجودها العسكري في اليمن عام 2019 بعد استكمال المهام المحددة ضمن الأطر الرسمية المتفق عليها”. واقتصر ما تبقى من وجود على فرق مختصة ضمن جهود مكافحة الإرهاب بالتنسيق مع الشركاء الدوليين المعنيين، وفق وزارة الدفاع.
وأضاف البيان الإماراتي: “نظراً للتطورات الأخيرة وما قد يترتب عليها من تداعيات على سلامة وفاعلية مهام مكافحة الإرهاب، فإن وزارة الدفاع تعلن إنهاء ما تبقّى من فرق مكافحة الإرهاب في اليمن بمحض إرادتها، وبما يضمن سلامة عناصرها، وبالتنسيق مع الشركاء المعنيين”.
بعد الإعلان الإماراتي، عبّر مجلس الوزراء السعودي في جلسة ترأّسها العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز، عن الأسف للتصعيد “غير المبرر” في اليمن الذي “لا ينسجم مع جميع الوعود التي تلقتها المملكة من دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة”. وعبّر المجلس عن أمل السعودية في أن تستجيب الإمارات لطلب الجمهورية اليمنية خروج القوات الإماراتية من اليمن خلال 24 ساعة، وإيقاف أي دعم عسكري أو مالي للمجلس الانتقالي الجنوبي وأي طرف آخر داخل اليمن.
بيان سعودي شديد اللهجة
وكانت المملكة العربية السعودية قالت إنها آسفة إزاء “دعم إماراتي” لقوات المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن واصفة إياه بـ”بالغ الخطورة” وأنه يشكل تهديداً لأمنها الوطني، وذلك بعد وقت قصير من غارة جوية نفّذها “تحالف دعم الشرعية” بقيادة السعودية استهدف ميناء المكلا في جنوب البلاد.
وقالت وزارة الخارجية السعودية إن الإمارات مارست ضغوطاً على قوات المجلس الانتقالي الجنوبي لدفعها إلى تنفيذ عمليات عسكرية قرب الحدود الجنوبية للمملكة في محافظتَيْ حضرموت والمهرة.
واعتبرت السعودية أن هذه التحركات “بالغة الخطورة” وأنها “لا تنسجم مع الأسس التي قام عليها تحالف دعم الشرعية في اليمن، ولا تخدم جهود تحقيق أمن اليمن واستقراره”. وأكد البيان أن الرياض “لن تتردد في اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لمواجهة أي تهديد يمس أمنها”.
ودعت السعودية دولة الإمارات إلى الاستجابة لطلب الحكومة اليمنية بخروج قواتها العسكرية من اليمن خلال 24 ساعة، ووقف أي دعم عسكري أو مالي لأي طرف داخل البلاد، وفق ما جاء في البيان.






