موسكو/واشنطن – أكد المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف، الاثنين، أن المفاوضات بين روسيا وأوكرانيا لا تشهد أي تقدم، مشيراً إلى أن إمكانية عقد قمة ثلاثية تجمع موسكو وكييف وواشنطن لا تزال بعيدة المنال. وقال بيسكوف إن “النظام الأوكراني يتعمد عرقلة العملية”، مضيفاً أن “المفاوضات متوقفة بوضوح، ولا توجد أي مرونة أو استعداد حقيقي لدى كييف للدخول في مناقشات جدية”. واعتبر أن الجانب الأوكراني “يبطئ العملية بشكل مصطنع”، في وقت يواصل فيه القادة الأوروبيون –بحسب تعبيره– “تجاهل الأسباب الجذرية للنزاع”. ورغم ذلك شدد على أن روسيا تبقى “منفتحة على الحوار لحل الأزمة بالطرق السياسية والدبلوماسية”، ما يعكس حرص موسكو على إبقاء الباب مفتوحاً أمام مبادرات مستقبلية، ولو بشروطها الخاصة.
ترامب: عداء شخصي يعقّد التسوية
في المقابل، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن التسوية السياسية للنزاع معقدة بسبب مستوى “العداء العالي جداً” بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي. وأوضح ترامب للصحفيين في بيدمينستر بولاية نيوجيرسي أن “الرجلين يكرهان بعضهما بشدة إلى درجة أنهما بالكاد قادران على التحدث معاً”، مضيفاً أنه قد يضطر شخصياً للتدخل: “على الأرجح سأضطر لذلك. ستكون هناك محادثات سواء أسميناها قمة أم لا”. هذا الموقف يعكس رغبة ترامب في لعب دور مباشر في الملف، لكنه يبرز في الوقت نفسه حجم الفجوة بين موقفي موسكو وكييف، حيث تتحول الخلافات السياسية إلى عداء شخصي يعيق أي تقدم.
خلفية اللقاءات الأخيرة
يأتي هذا التصعيد الكلامي بعد سلسلة لقاءات أجراها ترامب مع الجانبين خلال أغسطس/آب الماضي. فقد اجتمع بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في ولاية ألاسكا يوم 15 أغسطس، قبل أن يلتقي الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وعدداً من القادة الأوروبيين في واشنطن يوم 18 من الشهر نفسه. وبعد هذه اللقاءات، أعلن ترامب أن العمل جارٍ على إعداد اجتماع ثنائي بين بوتين وزيلينسكي، على أن يتبعه لاحقاً لقاء ثلاثي بمشاركة واشنطن. إلا أن هذه الخطط لم تتبلور حتى الآن، مع تمسك موسكو بشرط وجود “أجندة جوهرية للمناقشات”، ورفض كييف مقترح زيارة زيلينسكي إلى موسكو.
قراءة أوسع: معادلة معقدة بين موسكو وكييف وواشنطن
يرى محللون أن تصريحات بيسكوف وترامب تكشف عن صورة معقدة للنزاع الأوكراني في مرحلته الحالية. موسكو تسعى إلى تحميل كييف مسؤولية انسداد الأفق، في محاولة لتبرير موقفها أمام الرأي العام الدولي، بينما يسلط ترامب الضوء على الخلاف الشخصي بين بوتين وزيلينسكي باعتباره عائقاً أساسياً. هذه المقاربة قد تمنح الولايات المتحدة ذريعة لتدخل مباشر، لكنها في الوقت ذاته تعكس محدودية دور الأوروبيين، الذين يبدون غير قادرين على دفع الطرفين إلى طاولة المفاوضات.
إلى جانب ذلك، فإن أي محاولة لعقد قمة ثلاثية ستصطدم بحسابات سياسية أوسع: موسكو تريد مفاوضات تعترف عملياً بمكاسبها الميدانية وتتناول قضايا الأمن الإقليمي، بينما تصر كييف على الانسحاب الروسي وعودة الأراضي المحتلة. أما واشنطن، فهي تحاول الموازنة بين دعمها لكييف والبحث عن مخرج سياسي يحفظ مصالحها مع موسكو ويحد من تداعيات الحرب على أوروبا والاقتصاد العالمي.
مستقبل غامض للمسار الدبلوماسي
في ضوء هذه التباينات، تبدو احتمالات انعقاد قمة ثلاثية محدودة على المدى القريب. فغياب أجندة واضحة، وتبادل الاتهامات بالمسؤولية عن تعطيل المحادثات، يزيدان من صعوبة أي اختراق سياسي. ومع ذلك، يشير مراقبون إلى أن استمرار الحرب وتداعياتها الاقتصادية والأمنية قد تدفع الأطراف لاحقاً إلى إعادة النظر في مواقفها، خاصة إذا ارتفعت كلفة النزاع على الجميع. وحتى ذلك الحين، يبقى المسار الدبلوماسي معلقاً بين رغبة معلنة في الحوار وشروط متعارضة تجعل من التسوية هدفاً بعيد المنال.






