يطرح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خيارًا غير مسبوق في العلاقة مع واشنطن، وذلك من خلال السعي إلى إنهاء الاعتماد التدريجي على المساعدات العسكرية الأمريكية خلال السنوات العشر المقبلة.
انتهاء اتفاق المساعدات
ويأتي ذلك في خطوة تضع الشراكة الاستراتيجية أمام اختبار دقيق بين منطق الاستقلال وحسابات الأمن، كما يأتي ذلك بينما يقترب موعد انتهاء اتفاق المساعدات الحالي في عام 2028، والذي يمنح إسرائيل 3.8 مليار دولار سنويًا.
وفي مقابلة مع مجلة «الإيكونوميست»، كشف نتنياهو، للمرة الأولى علنًا، أنه لا يعتزم السعي لتجديد كامل حزمة المساعدات بعد 2028، مؤكدًا أن هدفه الوصول إلى «صفر اعتماد» على الدعم الأمريكي.
وأوضح أن هذه العملية «جارية بالفعل»، مستندًا إلى ما وصفه بنضوج الاقتصاد الإسرائيلي وتطوره، مع توقعات ببلوغه تريليون دولار خلال العقد المقبل.
انقسام أميركي يضغط على الاتفاق
وكشف وسائل إعلام إسرائيلية، أن تصريحات نتنياهو لا تنفصل عن مناخ سياسي أمريكي شديد الاستقطاب، يُضعف فرص تمرير اتفاق مساعدات جديد، فالاتفاق الحالي، الموقع عام 2016 ودخل حيز التنفيذ في 2018، يواجه معارضة متنامية من جناحين متقابلين: التقدميون داخل الحزب الديمقراطي الذين ينتقدون استخدام الأسلحة الأمريكية في النزاعات، وتيار «أمريكا أولًا» داخل الحزب الجمهوري الذي يرفض تمويل أمن حلفاء دون عائد مباشر.
وتشير تقارير إسرائيلية إلى أن عدم اليقين بشأن رغبة أو قدرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على تجديد الاتفاق، إلى جانب هذه المعارضة المزدوجة في الكونغرس، دفع تل أبيب إلى تبنّي مقاربة استباقية تعيد تعريف العلاقة على أساس مشاريع مشتركة وتبادل تكنولوجي، بدلًا من الدعم المالي المباشر.
ترحيب جمهوري وتسريع محتمل
وفي المقابل، لقيت تصريحات نتنياهو ترحيبًا من السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، الذي رأى أن إنهاء المساعدات قد يكون فرصة لتخفيف العبء عن دافعي الضرائب الأمريكيين، مع الحفاظ على التعاون العسكري والتكنولوجي، وذهب غراهام إلى اقتراح تسريع الجدول الزمني لإنهاء الدعم، معتبرًا أن إسرائيل باتت قادرة على الاعتماد على نفسها.
ومنذ 2018، صُرفت غالبية المساعدات الأمريكية لإسرائيل على مشتريات داخل الولايات المتحدة، ما أفاد الصناعات الدفاعية الأمريكية، وهو ما يعقّد أي نقاش حول «الخسائر» المتبادلة في حال إنهاء الاتفاق.
حسابات الأمن بعد 7 أكتوبر
ويثير التوجه الإسرائيلي تساؤلات إضافية في ظل بيئة أمنية متوترة وحرب متعددة الجبهات بعد هجوم «حماس» في 7 أكتوبر 2023، حيث كان متوقعًا أن تطالب إسرائيل بزيادة الدعم لا تقليصه، إلا أن تقديرات تل أبيب، بحسب «يديعوت أحرونوت»، تفيد بأن الحفاظ على المستوى الحالي بات صعبًا، ما يجعل خيار «التحول المنظم» نحو استقلالية أكبر هو المسار الأرجح.
جدير بالذكر أن المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل تعتبر حجر الزاوية في العلاقات الاستراتيجية بين البلدين منذ عقود، حيث تتيح لإسرائيل تعزيز قدراتها الدفاعية والأمنية، بينما تستفيد الولايات المتحدة من التعاون التكنولوجي وبيع معداتها العسكرية.
ويوفر الاتفاق الحالي، الذي دخل حيز التنفيذ في 2018 ويستمر حتى 2028، لإسرائيل 3.8 مليار دولار سنويًا، معظمها يُستثمر في مشتريات دفاعية أمريكية، ما يضمن تبادلًا اقتصاديًا وعسكريًا متبادل المنفعة.
عقبات أمام تجديد الاتفاق
ومع تصاعد الانقسام السياسي داخل الولايات المتحدة، يواجه أي تجديد محتمل للمساعدات عقبات كبيرة، سواء من الجناح التقدمي في الحزب الديمقراطي المنتقد لاستخدام الأسلحة الأمريكية في النزاعات، أو من تيار «أمريكا أولًا» في الحزب الجمهوري الرافض لدعم حلفاء دون مقابل واضح، حيث يعكس هذا الانقسام التحولات الداخلية في واشنطن ويضع إسرائيل أمام تحديات في تأمين استمرار الدعم المالي بنفس الحجم.
وفي المقابل، تشهد إسرائيل تطورًا اقتصاديًا ملحوظًا، حيث يصل حجم اقتصادها إلى مستويات غير مسبوقة، مع تعزيز قدراتها الذاتية في الصناعة الدفاعية والتكنولوجيا العسكرية.
ويجعل هذا التقدم الاقتصادي، إلى جانب الحسابات الأمنية بعد هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023، خيار تقليص الاعتماد على المساعدات الأمريكية واستراتيجية «الاستقلال التدريجي» خيارًا جذابًا لتل أبيب، رغم المخاطر والتحديات السياسية والأمنية المصاحبة.






