يبدو المشهد الإيراني اليوم متناقضًا إلى حدّ لافت: دولة مُنهكة تحت ضغط عسكري واقتصادي غير مسبوق، لكنها في الوقت نفسه تُظهر قدرة واضحة على الصمود. هذا التوصيف ليس انطباعًا عابرًا، بل قراءة قدّمها إيان بريمر، رئيس مجموعة أوراسيا، الذي يرى أن إيران في “وضع يائس” لكن انهيار النظام ليس وشيكًا كما قد يتخيله البعض.
نظام مُنهك… لكنه لم ينكسر
منذ بداية التصعيد العسكري في أواخر فبراير، تلقت إيران ضربات قاسية استهدفت بنيتها القيادية والعسكرية. فقدت شخصيات بارزة، وتضررت شبكاتها الأمنية، ووجدت نفسها في عزلة دولية أكثر عمقًا. ومع ذلك، فإن ما يلفت الانتباه هو أن هذه الضربات، رغم قسوتها، لم تُسقط “العمود الفقري” للنظام.
السبب في ذلك يعود إلى طبيعة النظام الإيراني نفسه. فهو ليس مجرد هرم قيادي يمكن إسقاطه بإزالة قمته، بل منظومة أيديولوجية متجذّرة، تمتد عبر مؤسسات دينية وعسكرية وأمنية متشابكة. هذه البنية تمنحه قدرة عالية على امتصاص الصدمات وإعادة ترتيب صفوفه بسرعة.
وهم “تغيير النظام”
تصريحات دونالد ترامب في نهاية مارس، التي ألمح فيها إلى أن ما يحدث قد يُفضي إلى “تغيير في النظام”، قوبلت بكثير من التشكيك. فحتى مع التغييرات التي طرأت على الوجوه القيادية، فإن جوهر النظام لم يتبدل.
التغيير الحقيقي، كما يشير بريمر، لا يُقاس فقط بالأسماء التي تُستبدل، بل بالبنية التي تُنتج تلك الأسماء. وفي الحالة الإيرانية، هذه البنية لا تزال قائمة، بل وتعمل بشكل متماسك نسبيًا رغم الضغوط.
الشارع الغاضب وحدود التأثير
الرهان على انتفاضة شعبية لإسقاط النظام ليس جديدًا. في كل موجة توتر، يعود الحديث عن احتمال انفجار داخلي. لكن الواقع يُظهر أن الاحتجاجات، رغم أهميتها، لم تنجح حتى الآن في إحداث اختراق حاسم.
السبب لا يتعلق فقط بقدرة الدولة على القمع، بل أيضًا بغياب بديل سياسي منظم يمكنه ملء الفراغ في حال انهيار السلطة. هذا الفراغ يجعل حتى المعارضين يتوجسون من سيناريو الفوضى، وهو ما يمنح النظام هامش بقاء إضافيًا.
مفاوضات تحت الضغط
في خضم هذا المشهد، تستعد طهران للدخول في مفاوضات جديدة مع الولايات المتحدة، يُتوقع أن تُعقد في إسلام آباد. هذه الخطوة تعكس إدراكًا إيرانيًا بأن الاستمرار في المواجهة المفتوحة ليس خيارًا مستدامًا.
لكن هذه المفاوضات لن تكون من موقع قوة. إيران تدخلها وهي مثقلة بالخسائر، في حين أن واشنطن، رغم تفوقها العسكري، لا تملك — بحسب بريمر — القدرة على فرض حلول فورية أو حاسمة، مثل إعادة فتح مضيق هرمز بالقوة دون تبعات كبيرة.
توازن هش
ما يتشكل اليوم هو نوع من التوازن الهش: إيران ضعيفة لكنها صامدة، والولايات المتحدة قوية لكنها مقيدة بحسابات معقدة. هذا التوازن لا يعني الاستقرار، بل على العكس، يُبقي المنطقة في حالة ترقب دائم.
قد لا يكون السؤال الحقيقي هو ما إذا كان النظام الإيراني سيسقط، بل إلى أي مدى يمكنه الاستمرار في التكيّف مع الضغوط دون أن يغيّر طبيعته. وحتى الآن، كل المؤشرات تقول إنه بارع في هذا النوع من البقاء.




