اختار الرئيس اللبناني جوزيف عون أن يوجّه رسالة سياسية واضحة: لا لقاء مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الوقت الراهن، ولا عودة إلى مسار تفاوضي تقليدي ما لم تتغير الوقائع على الأرض. موقف يعكس ليس فقط حسابات ظرفية، بل رؤية أعمق لطبيعة المرحلة وحدود الممكن سياسيًا.
توقيت مرفوض… وشروط مسبقة
في تصريحه الصادر عن الرئاسة، لم يكتفِ عون برفض فكرة اللقاء، بل ربطها بسياق أمني مفقود. فبالنسبة إليه، لا يمكن القفز إلى مشهد سياسي علني — كاجتماع مباشر — بينما تستمر العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية. أي حديث عن لقاء، وفق هذا المنطق، يصبح سابقًا لأوانه ما لم يُستكمل أولًا بإطار أمني واضح يضمن وقف الهجمات.
هذا الربط بين السياسي والميداني ليس جديدًا في المقاربة اللبنانية، لكنه يكتسب اليوم وزنًا أكبر في ظل التصعيد الأخير، حيث لم تعد المسارات الدبلوماسية منفصلة عن التطورات العسكرية اليومية.
“لا عودة للمفاوضات”… ولكن
العبارة التي أثارت الانتباه في خطاب عون كانت قوله: “لا عودة إلى طريق المفاوضات”. للوهلة الأولى، تبدو هذه الجملة قاطعة، لكنها في السياق الكامل تعكس إعادة تعريف لشروط التفاوض أكثر من كونها رفضًا مبدئيًا له.
لبنان، بحسب الطرح الرسمي، لا يرفض التفاوض كفكرة، بل يرفض شكله الحالي إذا لم يستند إلى ثوابت واضحة: انسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي اللبنانية، وملف الأسرى، ووقف الانتهاكات. بمعنى آخر، التفاوض بالنسبة لبيروت ليس عملية مفتوحة، بل مسار مشروط بنتائج محددة سلفًا.
إرث الصراع وثقل الحاضر
العلاقة بين لبنان وإسرائيل محكومة بتاريخ طويل من الصراع يعود إلى عام 1948، وهو ما يجعل أي خطوة سياسية بين الطرفين محاطة بحساسيات داخلية وإقليمية معقدة. ورغم وجود محاولات سابقة لفتح قنوات حوار — بما في ذلك اجتماعات عُقدت في واشنطن خلال أبريل — فإنها بقيت في إطار التحضير دون أن تتحول إلى مسار تفاوضي فعلي.
هذا التعثر يعكس فجوة عميقة بين ما يريده كل طرف، لكنه يعكس أيضًا واقعًا أكثر قسوة: غياب بيئة سياسية وأمنية تسمح بتحقيق اختراق حقيقي.
وقف إطلاق النار… هش بطبيعته
رغم التوصل إلى وقف إطلاق نار مؤقت تم تمديده حتى منتصف مايو، إلا أن الوقائع الميدانية تشير إلى هشاشته. الاتهامات اللبنانية لإسرائيل بخرق الاتفاق بشكل يومي، سواء عبر الغارات الجوية أو عمليات الهدم في الجنوب، تضعف أي إمكانية لبناء الثقة.
وفي ظل هذه الأجواء، يصبح الحديث عن لقاءات سياسية رفيعة المستوى أقرب إلى الطموح منه إلى الواقع، خصوصًا عندما يقترن ذلك بكلفة إنسانية مرتفعة: آلاف القتلى والجرحى، وموجات نزوح واسعة تمس شريحة كبيرة من السكان.
بين الرسائل الداخلية والخارجية
تصريح عون لا يمكن فصله عن بعدين متداخلين. داخليًا، هو يوجّه رسالة طمأنة إلى الرأي العام اللبناني بأن أي انفتاح سياسي لن يأتي على حساب الثوابت الوطنية. وخارجيًا، هو يضع إطارًا تفاوضيًا واضحًا أمام المجتمع الدولي: لا تقدم سياسي دون معالجة أمنية أولًا.
لا يبدو أن لبنان يغلق الباب بالكامل، لكنه بالتأكيد يرفع سقف شروط الدخول إليه. وفي منطقة تتحرك فيها السياسة ببطء تحت وقع السلاح، قد يكون هذا النوع من المواقف محاولة لإعادة ترتيب الأولويات قبل أي خطوة إلى الأمام.




