أكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، أن بلاده “لم ولن تسعى إلى تطوير سلاح نووي”، مجدداً التزام طهران بالشفافية في هذا الملف الحساس.
وانتقد بشدة تحرك القوى الأوروبية لإعادة العقوبات الأممية على إيران، واصفاً إياه بأنه “تنفيذ مباشر لأوامر الولايات المتحدة”، وذلك عقب الهجمات الأميركية والإسرائيلية التي استهدفت منشآت نووية إيرانية في يونيو (حزيران) الماضي.
اتهامات للترويكا الأوروبية
قال بزشكيان إن “ثلاث دول أوروبية حاولت الأسبوع الماضي، بأوامر من الولايات المتحدة، إعادة فرض قرارات مجلس الأمن الملغاة، بعدما فشلت طوال عشر سنوات من نكث العهود”.
وأشار إلى أن هذه الخطوة تأتي ضمن ما وصفه بـ”سياسة الابتزاز” التي تعرقل فرص الوصول إلى تفاهم شامل بشأن الملف النووي الإيراني.
لقاء مع ماكرون: نافذة ضيقة للتفاهم
بعد خطابه بساعات، عقد بزشكيان اجتماعاً مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، تناول الخلافات النووية وإمكانات تجنب العودة إلى العقوبات الأممية.
وأكد ماكرون أن “التوصل إلى اتفاق بشأن النووي الإيراني ما زال ممكناً”، محذراً من أن الفرصة باتت ضيقة قائلاً: “لم يبق سوى بضع ساعات”.
ويأتي ذلك غداة مباحثات أجراها وزير الخارجية الإيراني مع نظرائه من فرنسا وبريطانيا وألمانيا.
آلية “سناب باك” تعود للواجهة
كانت الترويكا الأوروبية قد أطلقت الشهر الماضي عملية مدتها 30 يوماً لإعادة فرض العقوبات الأممية على إيران، من خلال تفعيل آلية “سناب باك”، ومن المقرر أن تنتهي مهلة العملية الأحد المقبل.
ويعتبر هذا الإجراء أحد أبرز بنود الاتفاق النووي لعام 2015، إذ يتيح إعادة فرض العقوبات تلقائياً في حال اتهمت إيران بانتهاك التزاماتها.
وفي لقاء منفصل مع الرئيس الفنلندي ألكسندر ستاب، أقر بزشكيان بأن عملية تعزيز العلاقات مع الدول الأوروبية “لم تسر كما خُطط لها”، مرجعاً ذلك إلى محاولات الترويكا تفعيل آلية العقوبات مجدداً.
وأكد أن بلاده لا تعارض الشفافية في المجال النووي، لكنها ترفض استمرار حالة “انعدام الثقة” التي تسببت بها التجارب السابقة مع الولايات المتحدة وأوروبا.
دعوة إلى التعددية والدبلوماسية
شدد بزشكيان على أن الحل الأمثل للتوترات الدولية هو تعزيز التعددية وتجنب الأحادية، داعياً المنظمات الدولية، وفي مقدمتها الأمم المتحدة، إلى تحمل مسؤولياتها في حفظ السلم والأمن العالميين.
وأوضح أن “الدبلوماسية هي السبيل الوحيد للتغلب على انعدام الثقة”، مؤكداً أن إيران متمسكة بالحوار مع المجتمع الدولي رغم الضغوط.
من جانبه، قال الرئيس الفنلندي ألكسندر ستاب إن “السبيل الوحيد للتغلب على الأزمات الدولية هو الحوار والتفاهم عبر الدبلوماسية”، مشدداً على أن العالم بحاجة إلى تعددية حقيقية، محذراً في الوقت نفسه من أن “تعدد الأقطاب لا يجب أن يحل محل التعددية”.
خطاب يهدف لطمأنة المجتمع الدولي
يرى خبراء في شؤون الشرق الأوسط أن تأكيد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على أن بلاده “لا تسعى لامتلاك سلاح نووي” يأتي في إطار محاولة تهدئة المخاوف الدولية، وإعادة تقديم إيران بصورة أكثر اعتدالاً على الساحة الأممية، خصوصاً بعد الضربات الأميركية والإسرائيلية الأخيرة لمنشآتها النووية.
ويعتبر محللون أن انتقادات بزشكيان اللاذعة للترويكا الأوروبية تعكس تحولاً في الخطاب الإيراني من الدبلوماسية المرنة إلى المواجهة المباشرة، ما قد يعقّد مسار المفاوضات النووية.
ويشيرون إلى أن اتهام أوروبا بتنفيذ “أوامر واشنطن” يعمّق الهوة بين طهران والعواصم الأوروبية.
اختبار جدية باريس
يرى خبراء في العلاقات الدولية أن لقاء بزشكيان مع ماكرون يمثل “النافذة الأخيرة” قبل انهيار المفاوضات، إذ تحاول باريس لعب دور الوسيط لمنع تفعيل آلية “سناب باك”.
ويؤكد هؤلاء أن حديث ماكرون عن بقاء “بضع ساعات فقط” يوضح حجم الضغوط الزمنية على جميع الأطراف.
ويؤكد محللون إيرانيون أن حديث بزشكيان عن انعدام الثقة مع الغرب يعكس قناعة راسخة في طهران بأن التجارب السابقة، خصوصاً انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي عام 2018، جعلت أي مفاوضات جديدة محفوفة بالشكوك. ويرون أن إيران تحاول الموازنة بين المرونة الدبلوماسية والحفاظ على أوراق الضغط.
ويرى خبراء في السياسة الدولية أن دعوة بزشكيان إلى تعزيز التعددية تعكس رغبة إيران في كسب دعم من دول غير غربية مثل روسيا والصين ودول الجنوب العالمي، لكنهم يحذرون من أن استمرار المواجهة مع أوروبا والولايات المتحدة قد يضعف هذا التوجه، ويفتح الباب أمام مزيد من العقوبات والتوترات.






