في تطور لافت يعكس اتجاهات المرحلة المقبلة، تلقى رئيس الوزراء العراقي المكلّف علي فالح الزيدي اتصالًا هاتفيًا من وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، تناول سبل تعزيز التعاون الثنائي، مع تركيز واضح على دعم قدرات الجيش العراقي وإعادة تنشيط برامج التدريب العسكري.
وتأتي الخطوة في توقيت حساس، حيث يسعى العراق إلى إعادة ترتيب أولوياته الأمنية في ظل تحديات داخلية وإقليمية متشابكة، ما يمنح هذا الاتصال بعدًا يتجاوز المجاملات السياسية إلى ملامسة جوهر إعادة بناء المؤسسة العسكرية.
التدريب العسكري في صدارة الأولويات
وأكد الجانبان خلال الاتصال أهمية إعادة تفعيل برامج التدريب المشترك، باعتبارها حجر الأساس في رفع كفاءة القوات المسلحة العراقية، ويعكس هذا التوجه إدراكًا مشتركًا بأن تحديث القدرات العسكرية لا يقتصر على التسليح، بل يعتمد بشكل أساسي على التأهيل البشري والتقني.
وتشير المعطيات إلى أن العراق يسعى للاستفادة من الخبرات الأميركية في مجالات التدريب المتقدم، خاصة ما يتعلق بمكافحة الإرهاب، وإدارة العمليات، واستخدام التكنولوجيا الحديثة في ساحة المعركة، وهي ملفات كانت تمثل سابقًا محورًا رئيسيًا في التعاون بين البلدين.
اتفاقية الإطار الاستراتيجي تعود للواجهة
وأعاد الاتصال تسليط الضوء على اتفاقية الإطار الاستراتيجي بين العراق والولايات المتحدة، والتي تمثل المظلة القانونية والسياسية لتنظيم العلاقات الثنائية، خصوصًا في الجوانب الأمنية والعسكرية.
وتحمل هذه الاتفاقية أهمية خاصة، كونها تتيح إطارًا طويل الأمد للتعاون، يتجاوز الترتيبات الظرفية، ويؤسس لشراكة مؤسسية يمكن البناء عليها في إعادة هيكلة الجيش العراقي وتطوير قدراته بما يتناسب مع التحديات الحديثة.
وأكد الجانبان خلال الاتصال “خصوصية العلاقة” بين بغداد وواشنطن، وهي عبارة تحمل في طياتها توازنًا دقيقًا بين احتياج العراق للدعم العسكري والتقني، وبين حرصه على الحفاظ على سيادته الوطنية واستقلال قراره الأمني.
هذا التوازن يظل أحد أبرز التحديات التي تواجه أي تعاون عسكري مستقبلي، خاصة في ظل حساسية المشهد السياسي العراقي، وتعدد الفاعلين الداخليين الذين تختلف رؤاهم تجاه طبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة.
رسائل سياسية تتجاوز الأمن
ولم يقتصر الاتصال على الجانب العسكري فقط، بل حمل أيضًا رسائل سياسية مهمة، أبرزها تهنئة الوزير الأميركي للزيدي بمناسبة تكليفه بتشكيل الحكومة، وهو ما يعكس دعمًا ضمنيًا لعملية الانتقال السياسي في العراق، وحرص واشنطن على استمرار قنوات التواصل مع القيادة الجديدة.
كما يعكس هذا التواصل رغبة أميركية في الحفاظ على نفوذها داخل العراق، في ظل تنافس إقليمي ودولي متزايد على الساحة العراقية.
ويبقى السؤال الأهم: هل يتحول هذا الاتصال إلى خطوات عملية على الأرض؟
المؤشرات الأولية توحي بإمكانية عودة الزخم إلى التعاون العسكري، خاصة إذا ما تم تفعيل برامج التدريب وتوسيعها، وربطها بخطط شاملة لإعادة بناء الجيش العراقي وفق معايير حديثة.
لكن نجاح هذا المسار سيظل مرهونًا بعدة عوامل، أبرزها استقرار المشهد السياسي الداخلي، وقدرة الزيدي على تحقيق توازن بين الشراكات الدولية، فضلًا عن مدى تقبل القوى الداخلية لتعزيز التعاون مع واشنطن.
وفي المحصلة، يبدو أن العراق يقف أمام فرصة جديدة لإعادة صياغة قدراته العسكرية، مستفيدًا من شراكة دولية قد تعود بقوة، لكنها في الوقت ذاته تفرض عليه معادلة دقيقة بين التطوير والسيادة.




