يمثّل إعلان بتسلئيل سموتريتش الموافقة على تفعيل مخطط البناء في منطقة «إي-1» بين القدس الشرقية ومستوطنة معاليه أدوميم تحوّلًا سياسيًا وميدانيًا مقصودًا هدفه المعلن «دفن فكرة الدولة الفلسطينية». جوهر الخطوة ليس عدد الوحدات المعلَن—3,401 منزلاً—بل موقعها الذي يفصل القدس الشرقية عن محيطها الطبيعي في الضفة الغربية ويشطر الضفة عمليًا إلى شمال وجنوب، ما ينسف الاتصال الجغرافي الذي تقوم عليه أي صيغة لحل الدولتين.
اللافت أن مكتب سموتريتش صاغ البيان بهذه الصراحة، وأنه أعلن مؤتمرًا صحافيًا للترويج للمخطط، فيما يبقى موقف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ملتبسًا إلى الآن، الأمر الذي يوحي بأنّ الائتلاف الحاكم يوظّف الملف لتعظيم مكاسب قاعدته الأيديولوجية حتى لو كلّف ذلك أثمانًا دبلوماسية عالية.
توسّع استيطاني
إحياء «إي-1» ليس قرارًا تقنيًا بل كسرٌ لكوابحٍ دولية حالت دون تنفيذه منذ تجميده عام 2012 تحت ضغط أميركي وأوروبي متواصل. إعادة تشغيله اليوم تقول إن الحكومة الحالية لم تعد تتعامل مع الاعتراضات الغربية بوصفها خطوطًا حمراء، بل تحدّيات يمكن تجاوزها في ظل انشغال العالم بحروب وأزمات أخرى. ومن زاوية القانون الدولي، يُضاف هذا المسار إلى سجلّ توسّع استيطاني تعتبره الأمم المتحدة غير مشروعًا في أرض محتلة، ما سيستدعي—على الأرجح—موجة إدانة وتدابير «تمييزية/تفريقية» أوروبية أقوى تجاه منتجات المستوطنات والكيانات المتورطة، وقد يتوسّع إلى إجراءات عقابية فردية كما شهدنا في ملفات استيطانية أخرى خلال العامين الماضيين.
تفريغ المسار التفاوضي
ميدانيًا، تكشف الخرائط أن البناء في «إي-1» يصنع ممراً عمرانياً متصلًا للمستوطنات حول القدس ويُقوّض قدرة السكّان الفلسطينيين على الحركة والتخطيط الحضري، إذ تتحوّل الطرق الالتفافية والمعازل الأمنية إلى حدود فعلية تمنع تطوّر أحياء فلسطينية قابلة للحياة.
النتيجة ليست «توسعة» بل إعادة رسمٍ لقواعد اللعبة الجغرافية: إطباقٌ على القدس الشرقية وفكّ ارتباطٍ بينها وبين بيئتها الديموغرافية والاقتصادية، بما يفرغ أي مسار تفاوضي لاحق من مضمونه حتى لو استؤنف شكلًا. لهذا يصف ناشطون وخبراء الخطة بأنها «مسمار أخير في نعش» خيار الدولتين، وبأنها خطوة شبه ضمّ بحكم الأمر الواقع، حتى لو ظل الخطاب الرسمي الإسرائيلي يتجنّب لفظ «الضم».
تهجير التجمعات الفلسطينية
أما داخليًا، فيأتي اندفاع سموتريتش في لحظة ضغوط سياسية على اليمين الديني–القومي، ما يمنح القرار وظيفة تعبئةٍ انتخابية ورسالة ضبطٍ للائتلاف: لا تراجع عن المشروع الأيديولوجي حتى لو ارتفعت كلفة العزلة الدولية. لكنه في الوقت نفسه لا يعني أنّ الجرافات ستبدأ غدًا؛ إذ يبقى المسار الإجرائي عرضةً لتحديات قضائية وإدارية وضغوط لحلفاء إسرائيل، غير أنّ حقيقة إخراج «إي-1» من الثلاجة بعد أكثر من عقد تؤشر لتبدّل ميزان القوى داخل الحكم ولتصاعد ثقة تيار الاستيطان بقدرته على فرض وقائع لا تُعاد بسهولة إلى الوراء.
القرار ليس مجرّد دفعة بناء جديدة، بل إعلان نية استراتيجية لإعادة تعريف الصراع وحدود تسويته الممكنة. إذا مضى المخطط إلى التنفيذ، سنكون أمام تغيّر بنيوي في الخرائط، يُحيل «حل الدولتين» إلى صيغة رمزية بلا جغرافيا حقيقية، ويفتح الباب أمام دورة تصعيد أوسع: قانونية في المحافل الدولية، ودبلوماسية مع الحلفاء الغربيين، وميدانية على الأرض حيث سيتزايد الاحتكاك وتهجير التجمعات الفلسطينية المحيطة. هكذا يقرأ «إي-1» اليوم: كاختبارٍ لإرادة المجتمع الدولي وحدود نفوذه، وكجسرٍ تعبر عبره إسرائيل من سياسة إدارة الصراع إلى ترسيخ ضمٍّ تدريجي بالخرسانة والطرق الالتفافية






