بينما تتزايد في أوروبا التحذيرات من مخاطر روسية محتملة، نفى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن تكون موسكو تستعد لمواجهة عسكرية مع القارة، لكنه في المقابل أبقى باب استئناف مفاوضات السلام مع أوكرانيا مفتوحاً بحذر، محذراً من أن الهجمات الأوكرانية الأخيرة على الأراضي الروسية ستدفع موسكو إلى إعادة النظر في خطواتها المقبلة.
قال بوتين الجمعة 25 سبتمبر/أيلول إن روسيا لا تستعد لأي مواجهة عسكرية مع أوروبا، في وقت تتزايد فيه المخاوف الأوروبية بشأن احتمال اتساع نطاق الحرب الروسية الأوكرانية.
وجاءت تصريحات الرئيس الروسي خلال مؤتمر صحفي على هامش المنتدى الثقافي الدولي في مدينة سانت بطرسبرغ، حيث رد على ما وصفه بالتحذيرات الأوروبية من احتمال تعرض القارة لهجوم روسي.
وقال بوتين إن عدداً من المسؤولين الأوروبيين يتحدثون عن توقع “عدوان” روسي ويستخدمون ذلك مبرراً للاستعداد للحرب، مضيفاً أن موسكو “لا تستعد لمعارك من أي نوع مع أوروبا”.
لكن التصريح الروسي يأتي في وقت تشهد فيه أوروبا نقاشاً متزايداً حول طبيعة التهديد القادم من موسكو، إذ تشير مسؤولون أوروبيون إلى تصاعد أنشطة التخريب والهجمات السيبرانية وانتهاكات المجال الجوي، حتى مع استبعاد عدد منهم وجود هجوم عسكري روسي وشيك على دول حلف شمال الأطلسي.
أوروبا تخشى التصعيد.. وموسكو تنفي نيات الهجوم
خلال الأيام الماضية، تصاعدت التحذيرات الأوروبية من الأنشطة الروسية في القارة، خصوصاً ما يتعلق بأعمال التخريب والهجمات الهجينة.
وقال مسؤولون أوروبيون إن موسكو تكثف عمليات من هذا النوع بهدف الضغط على الدول الداعمة لأوكرانيا وإضعاف التماسك الغربي.
وفي المقابل، لا ترى جميع الحكومات الأوروبية أن هجوماً روسياً تقليدياً على دولة عضو في الناتو بات وشيكاً.
وتشير تقديرات مسؤولين أمنيين في دول البلطيق إلى عدم وجود مؤشرات واضحة على هجوم مباشر وشيك، مع تحذيرهم في الوقت نفسه من أن روسيا تعمل على تطوير قدراتها وخياراتها في مواجهة أوروبا.
وبذلك، يتسع الفرق بين التهديد العسكري المباشر وبين ما تصفه دول أوروبية بحرب هجينة تشمل التخريب والهجمات السيبرانية واختراقات المجال الجوي.
1600 مسيّرة.. الهجوم الذي أعاد ملف المفاوضات إلى الواجهة
وفي الوقت نفسه، ربط بوتين موقف موسكو من استئناف مفاوضات السلام مع أوكرانيا بالهجمات الأخيرة التي استهدفت الأراضي الروسية.
وشهد 20 سبتمبر/أيلول هجوماً أوكرانياً واسعاً بالطائرات المسيّرة، قالت السلطات الروسية إنه شمل أكثر من 1600 مسيّرة، بينها نحو 450 استهدفت منطقة موسكو.
وأعلنت السلطات مقتل أشخاص وإلحاق أضرار بمنشآت، من بينها مصفاة نفط في محيط العاصمة، وذلك بالتزامن مع اليوم الأخير من الانتخابات البرلمانية الروسية.
وقال بوتين إن مقترحات استئناف المفاوضات لا تزال مطروحة، لكنه أضاف أن موسكو “ستفكر ملياً” في ما ستفعله بعد الهجمات الأخيرة.
وتعكس هذه التصريحات موقفاً روسياً يربط العودة إلى طاولة المفاوضات بالتطورات العسكرية على الأرض، في وقت لم تنجح فيه الجولات السابقة في تحقيق اختراق بشأن القضايا الأساسية.
مفاوضات متعثرة منذ أشهر
كانت الولايات المتحدة قد كثفت جهود الوساطة بين موسكو وكييف بعد عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض.
وأدت هذه الجهود إلى عقد عدة جولات من المفاوضات بين روسيا وأوكرانيا، لكنها لم تنجح في التوصل إلى اتفاق شامل ينهي الحرب.
وظلت قضية الأراضي من أبرز نقاط الخلاف، إذ تتمسك موسكو بمطالبها المتعلقة بالمناطق الأوكرانية التي تطالب بضمها، بينما ترفض كييف هذه المطالب.
ومع تعثر المسار الدبلوماسي، استمرت الهجمات المتبادلة بالصواريخ والطائرات المسيّرة، ما جعل العودة إلى المفاوضات أكثر تعقيداً.
بوتين يترك الباب مفتوحاً.. لكن بشروط أكثر غموضاً
ورغم لهجته الحذرة، لم يغلق بوتين الباب أمام استئناف المحادثات.
فإشارته إلى أن مقترحات العودة إلى التفاوض “مطروحة على الطاولة” تعني أن المسار الدبلوماسي لم يُلغَ بالكامل.
لكن ربط استئناف الحوار بالهجمات الأخيرة يشير في الوقت نفسه إلى أن موسكو تريد إعادة تقييم شروط المرحلة المقبلة قبل العودة إلى الطاولة.
وهنا يبرز عامل آخر: الميدان العسكري لا يزال يؤثر مباشرة في المسار السياسي.
فكلما تصاعدت الهجمات، أصبح من الصعب على الطرفين تقديم تنازلات، بينما تستخدم موسكو وكييف الضربات بعيدة المدى للضغط على بعضهما البعض واستهداف البنية التحتية العسكرية والاقتصادية.
مخاوف من حرب أوسع.. دون مؤشرات على مواجهة مباشرة
وتأتي تصريحات بوتين بشأن أوروبا بعد تحذيرات متكررة من مسؤولين أوروبيين بشأن السلوك الروسي.
ففي منتصف سبتمبر، قال بوتين إن روسيا لا تشكل تهديداً لأوروبا، لكنه حذر في الوقت نفسه من أن نشر قوات أوروبية في أوكرانيا سيعني، من وجهة نظر موسكو، الدخول في حرب مع روسيا.
أما خلال هذا الأسبوع، فقال مسؤولون أوروبيون إن الخطر الأكثر إلحاحاً لا يتمثل بالضرورة في اجتياح عسكري روسي لدولة عضو في الناتو، بل في تصاعد عمليات التخريب والهجمات السيبرانية وغيرها من أشكال الحرب الهجينة.
وقالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس إن أوروبا تشهد انتشاراً سريعاً لأعمال التخريب وانتهاكات المجال الجوي، معتبرة أن الهدف الروسي هو الضغط على أوروبا لتقليص دعمها لأوكرانيا.
الحرب مستمرة.. والدبلوماسية تنتظر فرصة جديدة
في الوقت الذي ينفي فيه بوتين وجود خطط لمواجهة عسكرية مع أوروبا، لا تزال الحرب في أوكرانيا تشهد تصعيداً في الهجمات الجوية.
وفي المقابل، لا تزال محاولات استئناف المفاوضات قائمة، لكن من دون مؤشرات معلنة على قرب التوصل إلى اتفاق.
وتبقى قضية الأراضي وشروط الضمانات الأمنية ومستقبل المناطق المحتلة من أبرز الملفات التي حالت دون تحقيق اختراق في الجولات السابقة.
ولهذا، فإن رسالة بوتين الجديدة تحمل مسارين متوازيين: طمأنة معلنة لأوروبا بأن روسيا لا تستعد لحرب معها، وتحذير ضمني لأوكرانيا بأن الهجمات على الأراضي الروسية ستؤثر في حسابات موسكو بشأن العودة إلى طاولة المفاوضات.





