في قلب مدينة القدس، حيث تتقاطع السياسة بالدين والتاريخ، تتكشف يومًا بعد يوم أزمة اقتصادية صامتة قبل عيد الفطر، يدفع ثمنها التجار وأصحاب المحال الصغيرة، مع استمرار التصعيد الإقليمي بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، في مشهد يعيد تشكيل ملامح الحياة اليومية داخل المدينة القديمة.
وعلى مدار عامين ونصف العام تقريبًا، لم يكن التراجع الاقتصادي طارئًا، بل تحول إلى واقع مستمر، حيث يؤكد التجار أن انخفاض أعداد السياح، الذين يمثلون العمود الفقري للحركة التجارية، وهو ما أدى إلى تآكل أرباحهم تدريجيًا، في ظل حالة عدم الاستقرار التي ألقت بظلالها على واحدة من أكثر المدن جذبًا للزوار في المنطقة.
وبين أزقة البلدة القديمة، تبدو المحال
أقل ازدحامًا، فيما يصف التجار المشهد بأنه “موسم ركود مفتوح”، حيث لم تعد المواسم الدينية، وعلى رأسها شهر رمضان والعيد، قادرة على إنعاش الأسواق كما كان يحدث في السابق، نتيجة ارتباط الحركة السياحية بشكل مباشر بالأوضاع الأمنية والسياسية.
ومع تصاعد التوتر مؤخرًا عقب إطلاق الصواريخ من جانب إيران، دخلت المدينة مرحلة جديدة من القيود والإجراءات الأمنية، التي انعكست بشكل فوري على حركة الدخول والخروج، ما أدى إلى مزيد من الانكماش في النشاط التجاري، خاصة في المناطق التي تعتمد على الزوار بشكل أساسي.
ويقول أحد تجار القدس: “كنا نراهن على رمضان هذا العام لتعويض جزء من خسائرنا، لكن الواقع جاء أكثر قسوة”، حيث أن القيود المفروضة عقب التصعيد الأخير حدت من قدرة السكان والزوار على الوصول إلى الأسواق، ما أدى إلى تراجع حاد في المبيعات اليومية.
واقتصاديًا، لم يعد التأثير مقتصرًا على التجار فقط، بل امتد ليشمل سلاسل الإمداد والعمالة اليومية، حيث يوضح أصحاب الأعمال أن انخفاض الدخل انعكس على قدرتهم على تشغيل العمال أو تجديد البضائع، ما يهدد بدخول عدد متزايد من المحال في دائرة الإغلاق المؤقت أو الدائم.
ومع كل هذا، تتزايد المخاوف من أن استمرار هذا التصعيد قد يدفع السلطات إلى فرض مزيد من القيود على الحركة، الأمر الذي قد يعمق الأزمة الاقتصادية، خاصة في ظل هشاشة الوضع المعيشي للعديد من العائلات التي تعتمد بشكل مباشر على النشاط التجاري والسياحي.
ومع قرب انتهاء شهر رمضان وحلول العيد، الذي يمثل عادة موسمًا للانتعاش الاقتصادي، جاء هذا العام محملًا بمزيج من القلق والترقب، حيث اختلطت أجواء العبادة بأحاديث السياسة والتوتر، ما انعكس بشكل واضح على المزاج العام داخل الأسواق والأحياء.
وفي المقاهي والساحات، يتكرر الحديث عن “الفرص الضائعة”، إذ يرى كثير من التجار أن استمرار الصراع الإقليمي يحرمهم من مواسم كان يمكن أن تعوض سنوات من الخسائر، في وقت لا يملكون فيه أي قدرة على التأثير في مجريات الأحداث.
ويبدو أن ما يحدث في القدس يعكس نموذجًا أوسع لتأثير الصراعات الإقليمية على الاقتصادات المحلية، حيث تصبح المدن ذات الحساسية السياسية عرضة لتقلبات حادة، تتجاوز في تأثيرها حدود الجغرافيا لتصل إلى تفاصيل الحياة اليومية للسكان.
وفي ظل هذا الواقع، تتعالى الأصوات المطالبة بتحييد المدنيين والأنشطة الاقتصادية عن تداعيات التصعيد، والعمل على إيجاد آليات تضمن استمرارية الحياة الطبيعية، خاصة في مدينة تعتمد بشكل كبير على التوازن بين الاستقرار الأمني والحضور السياحي.
ويبقى الأمل معلقًا لدى تجار القدس على انفراجة قريبة تعيد الحياة إلى أسواقهم، وتنهي حالة الركود التي فرضتها الصواريخ والسياسة، إذ لا يزال كثيرون يتمسكون بفكرة أن المدينة، رغم كل ما تمر به، قادرة على استعادة نبضها إذا ما توقفت دوامة التصعيد.
مسك محمد




