أعاد إعلان “تحالف السودان التأسيسي” عن تشكيل المجلس الرئاسي واختيار رئيس وزراء لحكومة السلام الانتقالية، الجدل حول ملامح المرحلة المقبلة في بلد يعاني من حرب أهلية مدمرة وانقسامات سياسية عميقة. ففي ظل تعثر المفاوضات الرسمية وغياب توافق شامل بين القوى السياسية والعسكرية، تأتي هذه الخطوة في محاولة لتقديم بديل سياسي وتنفيذي يسعى إلى كسر الجمود، لكنّها في الوقت ذاته تثير تساؤلات حول مدى شرعية تمثيل هذا التحالف وإمكانية تطبيق رؤاه على الأرض.
الناطق الرسمي باسم التحالف، علاء الدين عوض نقد، أوضح أن الهيئة القيادية عقدت دورة انعقادها الثانية يوم 24 يوليو، حيث ناقشت قضايا مفصلية، أبرزها تشكيل المجلس الرئاسي وتسمية رئيس الوزراء. وخلصت المداولات إلى الإعلان عن مجلس رئاسي مكوّن من 15 عضوًا، من بينهم حكّام الأقاليم، على أن يترأسه محمد حمدان دقلو (حميدتي)، في خطوة تشير إلى تصعيد الدور السياسي لقائد قوات الدعم السريع وسط نزاع محتدم مع الجيش السوداني.
التحالف شدد في بيانه على تمسكه بمبادئ “الحرية والسلام والعدالة والمساواة”، مؤكدًا سعيه لبناء سودان علماني ديمقراطي لا مركزي وموحد طوعياً. لكنه لم يوضح آلية اختيار الأعضاء ولا كيفية التنسيق مع القوى الأخرى، ما يفتح الباب أمام احتمالات رفض هذه الترتيبات من قبل الفاعلين السياسيين والعسكريين الآخرين، وعلى رأسهم الجيش النظامي بقيادة عبد الفتاح البرهان.
ويرى مراقبون أن خطوة التحالف قد تؤسس لسلطة موازية في المناطق التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع، لكنها في الوقت ذاته تعمّق الانقسام السياسي والجغرافي، ما لم تحظَ بدعم شعبي واسع أو توافق إقليمي ودولي، وهي شروط ما تزال بعيدة المنال في الوقت الراهن.
كيف ترى السلطات في الخرطوم هذه الخطوة
بالإضافة إلى ردود الفعل الحذرة دوليًا وإقليميًا، جاء الموقف في الخرطوم، وتحديدًا من جانب القيادة العسكرية بقيادة عبد الفتاح البرهان، حاسمًا في رفض خطوة تحالف السودان التأسيسي، واعتبارها مسعىً غير شرعي لتكريس واقع الانقسام السياسي والعسكري. فبحسب مصادر مقربة من القيادة العامة للقوات المسلحة، فإن تشكيل مجلس رئاسي برئاسة محمد حمدان دقلو يُعد “إعلانًا صريحًا عن محاولة إنشاء دولة موازية” و”خطوة تصعيدية تُهدد وحدة البلاد”.
الجيش، الذي يتمركز في مناطق واسعة من شمال وشرق السودان، ينظر إلى هذا التحرك بوصفه غطاءً سياسيًا لقوات الدعم السريع، التي يصفها بأنها “ميليشيا متمردة”، ويحذّر من أي محاولات لتقنين سلطتها في المناطق التي تسيطر عليها عسكريًا. وفي هذا السياق، أكد مسؤول عسكري رفيع — فضّل عدم الكشف عن اسمه — أن “أي ترتيبات سياسية خارج مظلة الدولة وبتجاوز المؤسسات الشرعية، لن تجد سوى الرفض والمقاومة”.
وتعتبر السلطات في الخرطوم أن إعلان التحالف يتقاطع مع جهود السلام التي ترعاها أطراف إقليمية ودولية، ويمثل قفزًا على المسارات الرسمية، بل وربما يعرقل محاولات الوصول إلى حل تفاوضي شامل. كما يخشى مراقبون من أن هذه الخطوة قد تُستخدم لتبرير مزيد من التصعيد العسكري في مناطق التماس، بدلًا من أن تسهم في خفض حدة الصراع.
وفي ظل هذا التباين الحاد بين الطرفين، يبدو أن السودان يدخل مرحلة أكثر تعقيدًا، حيث تتخذ الحرب طابعًا سياسيًا متزايدًا، ما يجعل التسوية السلمية أكثر بعدًا في الأفق.






