أعادت الحرب الأخيرة مع إيران واضطرابات الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب إحياء النقاش حول أمن إمدادات الطاقة العالمية، وسط تحركات إسرائيلية لطرح نفسها ممراً بديلاً لنقل النفط والغاز الخليجي إلى الأسواق الأوروبية.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة يسرائيل هيوم، تجري إسرائيل منذ أسابيع اتصالات مع عدد من دول الخليج، بمشاركة الولايات المتحدة، لبحث مسارات جديدة لنقل الطاقة تقلل الاعتماد على الممرات البحرية التي تملك إيران أو حلفاؤها القدرة على التأثير فيها.
مساران… أحدهما سريع والآخر طويل الأجل
وفق التقرير، تناقش الأطراف خيارين رئيسيين.
الأول يتمثل في استخدام البنية التحتية الإسرائيلية الحالية، بحيث تُنقل شحنات النفط من ميناء ينبع السعودي على البحر الأحمر إلى ميناء إيلات، ثم تُضخ عبر خط أنابيب أوروبا–آسيا (EAPC) إلى ميناء عسقلان على البحر المتوسط، قبل إعادة تصديرها إلى أوروبا.
أما الخيار الثاني، فيقوم على إنشاء شبكة جديدة من خطوط الأنابيب تمتد من دول الخليج إلى مدينة العقبة الأردنية، ثم إلى إيلات، ومنها إلى البحر المتوسط، وهو مشروع يتطلب سنوات من الإنشاء وتوافقات سياسية وأمنية معقدة.
ولم يحدد التقرير الدول الخليجية المشاركة في هذه المحادثات، كما لم يشر إلى توقيع أي اتفاقات ملزمة حتى الآن.
واشنطن حاضرة في المشاورات
تشير المعلومات الواردة في التقرير إلى مشاركة الإدارة الأمريكية في هذه الاتصالات، ضمن جهود أوسع لتقليص قدرة إيران على استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط على أسواق الطاقة العالمية.
ويرى مسؤولون إسرائيليون أن الحرب الأخيرة كشفت هشاشة الاعتماد على الممرات البحرية التقليدية، وأن إنشاء مسارات برية بديلة أصبح جزءاً من استراتيجية أمن الطاقة في المنطقة.
إسرائيل تسوق نفسها كممر للطاقة
قال وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين إن المسار الذي يربط الخليج بالبحر المتوسط عبر إسرائيل يمثل “الخيار الأمثل”، معتبراً أن إسرائيل قادرة على توفير مستوى من الحماية الأمنية لهذا الممر مقارنة ببدائل أخرى.
كما يرى أن زيادة عدد مسارات تصدير النفط والغاز قد تؤدي، على المدى الطويل، إلى تعزيز المنافسة وخفض تكاليف النقل، بما ينعكس على أسعار الطاقة العالمية.
غير أن هذه التقديرات تبقى مرتبطة بإمكانية تنفيذ المشاريع فعلياً، وهو أمر يعتمد على عوامل سياسية وأمنية تتجاوز الجوانب الاقتصادية.
مشروع “IMEC” يعود إلى الواجهة
تزامناً مع هذه التحركات، تسعى إسرائيل إلى تسريع تنفيذ مشروع ممر الهند – الشرق الأوسط – أوروبا (IMEC)، الذي يهدف إلى ربط الهند ودول الخليج بأوروبا عبر شبكة من السكك الحديدية والموانئ وخطوط الاتصالات والطاقة.
وبحث وزير الطاقة الإسرائيلي مع نظيره اليوناني ستافروس باباستافرو سبل دفع المشروع، في إطار رؤية تعتبر أن الممر الجديد يمكن أن يشكل بديلاً استراتيجياً للمسارات البحرية المهددة بالتوترات الأمنية.
وتقول تل أبيب إن التطورات الأخيرة في مضيق هرمز، إلى جانب هجمات الحوثيين في باب المندب، عززت الحاجة إلى ممرات برية أكثر استقراراً.
رهانات اقتصادية وجيوسياسية
لا تقتصر أهمية هذه المشاريع على قطاع الطاقة، بل تمتد إلى إعادة رسم خريطة التجارة الإقليمية.
فإسرائيل تسعى إلى ترسيخ موقعها كحلقة وصل بين الخليج وأوروبا، بما يعزز دورها الاقتصادي والجيوسياسي ويمنحها عوائد كبيرة من خدمات النقل والعبور، في حين ترى الولايات المتحدة في هذه المسارات وسيلة لتقليل النفوذ الإيراني على تجارة الطاقة العالمية.
لكن في المقابل، يواجه هذا التصور تحديات كبيرة، أبرزها الحاجة إلى تفاهمات سياسية مع دول الخليج والأردن، فضلاً عن الاعتبارات الأمنية المرتبطة بمرور خطوط الطاقة في منطقة لا تزال تشهد توترات متكررة.
بين الطموح والواقع
تعكس التحركات الإسرائيلية تحولاً في التفكير الاستراتيجي بشأن أمن الطاقة بعد الحرب مع إيران، إلا أن تحويل هذه الأفكار إلى مشاريع قابلة للتنفيذ سيظل رهناً بتوافقات إقليمية معقدة واستثمارات ضخمة تمتد لسنوات.
وبينما تسعى تل أبيب إلى تقديم نفسها بوصفها بوابة جديدة للطاقة نحو أوروبا، يبقى نجاح هذه الرؤية مرتبطاً ليس فقط بالجدوى الاقتصادية، وإنما أيضاً بقدرة الأطراف المعنية على تجاوز التعقيدات السياسية والأمنية التي تحكم المنطقة.






