تعكس المؤشرات الأخيرة لتراجع تدفق المساعدات إلى قطاع غزة تحوّلًا خطيرًا في المشهد الإنساني، إذ لم يعد الحصار مرتبطًا فقط بالقيود التقليدية، بل بات يتأثر أيضًا بتشابكات الصراعات الإقليمية واتساع رقعتها. ومع اندلاع الحرب على إيران، تراجعت أعداد شاحنات الإغاثة بشكل حاد، ما أدى إلى اختلال واضح في توازن السوق المحلية، وفتح الباب أمام موجة جديدة من الغلاء ونقص السلع الأساسية.
هذا التراجع لا يُقرأ بمعزل عن السياق الأوسع، حيث تتقاطع الأزمات السياسية والعسكرية لتضاعف الضغوط على السكان، في ظل اعتماد شبه كامل على المساعدات الإنسانية. ومع تقلص الإمدادات، تتجه الأوضاع المعيشية نحو مزيد من التعقيد، خاصة مع تسجيل نقص في المواد الغذائية والمستلزمات الطبية، وارتفاع مخاطر انهيار القطاع الصحي.
انخفاض عدد شاحنات المساعدات إلى غزة
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو غزة أمام مرحلة أكثر هشاشة، حيث تتآكل قدرة السكان على الصمود تدريجيًا، بينما تتزايد المخاوف من تحول الأزمة الإنسانية إلى وضع أكثر حدة، في حال استمرار القيود على دخول المساعدات وتباطؤ الاستجابة الدولية.
وانخفض عدد شاحنات المساعدات إلى غزة بنحو 80% منذ بدء الحرب على إيران، ما أدى إلى ارتفاع حاد في الأسعار ونقص في السلع والمعدات الطبية. حيث أظهرت معطيات مركز التنسيق الأميركي في كريات غات (CMCC)، أن عدد شاحنات المساعدات التي تدخل قطاع غزة انخفض بنحو 80% منذ بدء الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران.
وتراجع المعدل الأسبوعي من نحو 4200 شاحنة قبل الحرب إلى 590 في الأسبوع الأول، ثم 1137 في الأسبوع الثاني، فيما لم يتجاوز العدد هذا الأسبوع، حتى مساء الثلاثاء، 400 شاحنة. في المقابل، انعكس التراجع الحاد في تدفق المساعدات على الأوضاع المعيشية، إذ سُجل ارتفاع كبير في أسعار المواد الغذائية ونقص في السلع الأساسية داخل القطاع. حسب عرب 48.
نقص متزايد في المعدات الطبية
وارتفع سعر كيس الطحين (25 كغم) إلى نحو 100 شيكل، أي ثلاثة أضعاف سعره السابق، كما ارتفع سعر كيلو البندورة من نحو 5 شواكل إلى 12، فيما اختفت منتجات مثل زيت الطهي والمعلبات من الأسواق.
وفي القطاع الصحي، أفادت مستشفيات غزة بوجود نقص متزايد في المعدات الطبية، بينما حذرت وزارة الصحة في غزة من خطر انهيار أنظمة الكهرباء المعتمدة على المولدات بسبب نقص الوقود وقطع الغيار. كما حذرت منظمة الصحة العالمية من تفاقم النقص في الأدوية والمستلزمات الطبية.
وأعيد فتح معبر رفح في الاتجاهين، بعد إغلاقه منذ 28 شباط/ فبراير مع بدء الحرب على إيران، وذلك للسماح بخروج المرضى المحتاجين إلى العلاج وعودة سكان إلى القطاع، في ظل وجود آلاف المرضى والجرحى الذين ينتظرون إجلاءً طبيًا عاجلًا. وبثت القناة المقربة من السلطات المصرية لقطات سيارات إسعاف مصرية تستعد لاستقبال مصابين، إلى جانب فلسطينيين كانوا يتلقون العلاج في مصر ويتهيأون للعودة. حسب قناة “القاهرة الإخبارية”.
وكانت وحدة تنسيق أعمال الحكومة الإسرائيلية في المناطق المحتلة، قد أبلغت منظمة “يونيسف”، الثلاثاء الماضي، بوقف إدخال شحنات مساعدات عبرها، مدعية ضبط مواد تحتوي على النيكوتين مخبأة داخل شحنات طبية قادمة من مصر. وقالت إن التعليق سيستمر حتى انتهاء التحقيق، زاعمة أن “جهات معادية تحاول استغلال آلية المساعدات لأغراض غير مشروعة”.
تدهور الوضع الإنساني
من جهتها، أعلنت “يونيسف” فتح تحقيق داخلي، مؤكدة التزامها بسياسة “عدم التسامح” مع إدخال مواد غير مصرّح بها، وقالت إن مثل هذه المحاولات تحدث أحيانًا، داعية إلى تعزيز آليات الفحص، ومشددة على أن المساعدات التي تقدمها “تنقذ حياة الأطفال وعائلاتهم في غزة”، محذّرة من أن أي تعطيل سيزيد من تدهور الوضع الإنساني.
في المقابل، زعمت وحدة التنسيق الإسرائيلية إن إدخال المساعدات مستمر “وفق احتياجات” المنظمات الدولية، مدعية أنه يتم إدخال مئات الشاحنات يوميًا بعد فحص أمني، ومشيرة إلى أن كميات كبيرة من المساعدات دخلت خلال فترة وقف إطلاق النار، بما يفوق الاحتياجات المقدّرة، وأن “هناك توفرًا كافيًا للغذاء لفترة طويلة” في القطاع.





