دخلت إيران مرحلة جديدة من التشدد في التعامل مع موجة الاحتجاجات المتواصلة، مع تصعيد أمني متزامن يستهدف تطويق التحركات الشعبية التي دخلت يومها التاسع في عدد من المدن، وسط تحذيرات أميركية متجددة من تداعيات سقوط مزيد من القتلى بين المتظاهرين.
الاستماع لصوت الاحتجاجات
من جانبه، شدد رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف على ضرورة «الاستماع إلى صوت الاحتجاج»، لكنه ميز بين ما وصفه بـ«المطالب الشعبية» وبين من قال إنهم «مرتبطون بشكل مباشر أو غير مباشر بأجهزة استخبارات أجنبية»، مؤكداً أن التعامل مع الفئتين «لن يكون واحداً».
في السياق نفسه، أعلن رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجئي، إصدار أوامر للمدّعي العام بعدم التساهل مع من وصفهم بـ«مثيري الشغب»، في إشارة إلى تشديد الإجراءات القضائية وتسريع الملاحقات بحق المشاركين في الاحتجاجات، في ظل خطاب رسمي يربط التصعيد الميداني بـ«تدخلات خارجية».
تلويح ترمب بضربة قاسية
ويأتي هذا التشدد الداخلي مع ضغط خارجي متصاعد، بعدما لوّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب مجدداً بإمكانية توجيه «ضربة قاسية» إذا سقط مزيد من القتلى بين المتظاهرين، في موقف أعاد التوتر إلى واجهة العلاقة بين واشنطن وطهران.
وزاد من حدة الرسالة نشر السيناتور الأميركي ليندسي غراهام صورة تجمعه بترمب وهو يحمل قبعة كتب عليها «لنجعل إيران عظيمة مرة أخرى»، في تلميح سياسي لافت.
الرد على التهديدات الأميركية
وفي المقابل، رد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي على التهديدات الأميركية قائلاً إن «تكرار أي تجربة ثبت فشلها لن يؤدي إلا إلى الفشل مجدداً»، مؤكداً أن الضغوط والتهديدات «لن تغير من مسار إيران أو خياراتها»، في وقت تبدو فيه طهران عازمة على المضي في استراتيجية الجمع بين القبضة الأمنية والخطاب السياسي لاحتواء الشارع ومنع اتساع رقعة الاحتجاجات.
وكانت الاحتجاجات قد تجددت ودخلت في أسبوعها الثاني في قلب العاصمة طهران، حيث شهد محيط البازار الكبير تجمعات للمحتجين، وسط انتشار أمني كثيف واستخدام الغاز المسيل للدموع لتفريقهم وإغلاق عدد من الطرق الفرعية، وفق مقاطع مصورة متداولة صباح أمس.
وتزامنت التحركات النهارية مع احتجاجات ليلية في أحياء عدة، من بينها حي نظام آباد شمال شرقي طهران، شملت إحراق إطارات وقطع طرق وترديد هتافات مناهضة للسلطات، كما تزامن تصاعد التحركات مع إجراءات احترازية لافتة، من بينها سماح وزارة التعليم لعدد من الجامعات بعقد الدروس افتراضياً، في خطوة ربطها ناشطون بالوضع الأمني.
اضطراب خدمات الإنترنت
وكشفت تقارير صحيفة عن اضطراب واسع في خدمات الإنترنت، في وقت تتباين فيه الروايات الرسمية والحقوقية حول حصيلة الضحايا والمعتقلين.
من جهتها، أكدت منظمات حقوقية سقوط ما لا يقل عن 16 إلى 17 قتيلاً منذ اندلاع الاحتجاجات، واعتقال مئات الأشخاص، بينما تحدثت السلطات عن 12 قتيلاً فقط، ووصفت ما يجري بأنه «احتجاجات محدودة» و«أعمال شغب» تقف خلفها جهات تحريضية.
فيما أعلنت الشرطة الإيرانية إلقاء القبض على عشرات الأشخاص في طهران، بينهم مديرو صفحات على الإنترنت، بتهمة نشر «معلومات كاذبة» تهدف إلى إثارة الرأي العام.
وفي المقابل، برزت لهجة مختلفة من مؤسسة الرئاسة، الذي أكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن «الاحتجاج السلمي حق من حقوق المواطنين»، داعياً إلى احترام المتظاهرين والاستماع إلى مطالبهم، ومشدداً على أن «الأساليب القسرية لا تقنع المجتمع ولا تهدئه».
رد الرئيس بزشكيان
ووجه بزشكيان وزارة الداخلية باتباع نهج «ودي ومسؤول» في التعامل مع المحتجين، معترفاً بوجود «ضغوط معيشية حقيقية» تتحمل الحكومة مسؤولية معالجتها عبر الحوار والشفافية والقرارات التشاركية.
كما دعا الرئيس الإيراني إلى تعزيز قنوات التواصل، لا سيما في الجامعات، معتبراً أن «النقد المنصف رأس مال للحكم»، ومطالباً بعدم إقصاء الأصوات المنتقدة، في تصريحات وصفت بأنها الأكثر تصالحية من السلطات الإيرانية منذ بدء الاحتجاجات، رغم استمرار القبضة الأمنية في الشارع.






