بعد سنوات من الهدوء النسبي الذي أعقب وقف إطلاق النار الذي رعته الأمم المتحدة عام 2022، تعود اليمن تدريجيًا إلى واجهة المشهد الإقليمي مع تصاعد التوتر بين جماعة الحوثيين والسعودية، في وقت يتزامن فيه ذلك مع تداعيات الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل.
ورغم أن المواجهات الواسعة لم تستأنف بعد، فإن سلسلة الهجمات البحرية الأخيرة التي نفذها الحوثيون، والتعبئة العسكرية المتبادلة على الجبهات اليمنية، تثير تساؤلات حول ما إذا كانت البلاد تتجه نحو جولة جديدة من الحرب، أم أن جميع الأطراف ما تزال تستخدم التصعيد كورقة ضغط سياسية.
البحر الأحمر يعود إلى دائرة التوتر
بدأ التصعيد يأخذ منحى جديدًا بعد إعلان الحوثيين في يوليو فرض حصار بحري يستهدف السعودية، قبل أن تنفذ الجماعة سلسلة هجمات على سفن في البحر الأحمر، شملت إغراق سفينة تجارية، وهو ما دفع شركات شحن إلى تغيير مساراتها بعيدًا عن مضيق باب المندب.
وأدى ذلك، وفق المعطيات المتداولة، إلى تراجع حركة الملاحة في أحد أهم الممرات البحرية العالمية، وارتفاع تكاليف التأمين على السفن، بما يعكس استمرار قدرة الجماعة على التأثير في أمن التجارة الدولية رغم سنوات الحرب.
ورغم أن هذه التطورات لا ترتبط مباشرة بالحرب الإيرانية، فإنها جاءت في ظل بيئة إقليمية تشهد تصاعدًا غير مسبوق في التوترات، وهو ما منحها أبعادًا تتجاوز الساحة اليمنية.
لماذا لم تُوقّع الرياض اتفاق السلام؟
على مدى العامين الماضيين، بدت السعودية أقرب من أي وقت مضى إلى التوصل إلى اتفاق دائم مع الحوثيين، بعد جولات تفاوض مطولة هدفت إلى إنهاء الحرب المستمرة منذ عام 2015.
لكن الحرب الإقليمية الأخيرة أعادت خلط الحسابات السياسية والأمنية، إذ فضلت الرياض تجنب اتخاذ خطوات قد تُفسَّر على أنها تنازل في لحظة تشهد فيها المنطقة تغيرات عسكرية متسارعة.
في المقابل، يرى الحوثيون أن استمرار المفاوضات دون حسم نهائي قد يضعف موقعهم التفاوضي، خاصة إذا أصبحت التسوية في اليمن جزءًا من تفاهمات أوسع تتعلق بالعلاقة بين إيران والولايات المتحدة.
تعبئة عسكرية على الجبهات
رغم استمرار خطوط التماس دون تغيرات كبيرة منذ انتهاء الهدنة الأممية، شهدت الأسابيع الأخيرة تحركات عسكرية لافتة.
فقد دفعت الأطراف المتحاربة بتعزيزات إلى عدد من الجبهات، مع زيادة عمليات الحشد العسكري وتخزين المعدات، بينما شهد الساحل الغربي مواجهات عنيفة في محافظة الحديدة أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى من الطرفين.
وتشير هذه المؤشرات إلى أن الطرفين يستعدان لاحتمال انهيار التهدئة، حتى وإن لم يتخذا قرارًا نهائيًا بالعودة إلى الحرب الشاملة.
حسابات الحوثيين
في خطاباته الأخيرة، أعلن زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي أن مرحلة “اللا حرب واللا سلم” لم تعد مقبولة، ملوحًا برد واسع على أي تصعيد سعودي.
ويرى محللون أن هذا الموقف لا يرتبط فقط بالعلاقة مع الرياض، بل يعكس أيضًا حسابات داخلية تخص الجماعة نفسها.
فمنذ تراجع العمليات العسكرية في غزة، تضاءلت قدرة الحوثيين على تعبئة المقاتلين تحت شعار دعم القضية الفلسطينية، وهو الشعار الذي استخدمته الجماعة خلال الأشهر الماضية لتبرير حملات التجنيد.
كما أن مشاركة اليمن بصورة مباشرة في أي مواجهة دفاعًا عن إيران لا تحظى بالإجماع داخل المجتمع اليمني، وهو ما يدفع الجماعة إلى إعادة التركيز على الصراع مع السعودية باعتباره أكثر حضورًا في الذاكرة السياسية لجزء من أنصارها.
السعودية بين الرد والاحتواء
منذ سنوات، تتبنى الرياض سياسة تقوم على احتواء الصراع اليمني أكثر من السعي إلى حسمه عسكريًا، خاصة بعد الهجمات التي استهدفت منشآت نفطية سعودية في السنوات الماضية وأظهرت حجم المخاطر التي قد يسببها التصعيد.
ولهذا تبدو المملكة حريصة على تجنب الانجرار إلى حرب جديدة واسعة، في وقت تنشغل فيه المنطقة بأزمات متعددة، وتسعى فيه القيادة السعودية إلى التركيز على أولوياتها الاقتصادية ومشروعاتها التنموية.
غير أن استمرار الهجمات البحرية أو استهداف البنية التحتية السعودية قد يفرض على الرياض إعادة النظر في سياسة ضبط النفس التي اتبعتها خلال الفترة الأخيرة.
اليمن بين الحسابات الإقليمية والأزمة الداخلية
ورغم أن التصعيد يُقرأ غالبًا من زاوية الصراع الإقليمي، فإن دوافعه الداخلية لا تقل أهمية.
فاليمن ما يزال يعيش واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، مع انهيار اقتصادي واسع، وتراجع الخدمات الأساسية، واستمرار الانقسام السياسي والعسكري بين مناطق النفوذ المختلفة.
وفي ظل هذا الواقع، قد تمثل العودة إلى المواجهة العسكرية وسيلة لبعض الأطراف لإعادة ترتيب موازين القوى الداخلية أو تعزيز شرعيتها بين أنصارها، حتى وإن كان ذلك على حساب فرص التوصل إلى تسوية سياسية دائمة.
مؤشرات أكثر من إعلان للحرب
حتى الآن، لا توجد مؤشرات حاسمة على أن جميع الأطراف اتخذت قرارًا بالعودة إلى حرب شاملة، لكن التطورات الأخيرة توحي بأن مرحلة التهدئة التي استمرت نسبيًا خلال الأعوام الماضية أصبحت أكثر هشاشة.
ومع استمرار التوتر في البحر الأحمر، وتعثر المسار السياسي، وتصاعد الاستقطاب الإقليمي، تبدو اليمن أمام مرحلة قد تحدد ما إذا كانت ستعود إلى ساحة مواجهة مفتوحة، أم أن الضغوط الدولية والإقليمية ستنجح في احتواء التصعيد قبل تحوله إلى حرب جديدة.






