تتصاعد التوترات في الأراضي الفلسطينية المحتلة، في شهر رمضان، ليس بسبب طبيعة الشهر المبارك، بل نتيجة سياسات إسرائيلية ممنهجة تُفاقم الأزمة، وتزيد من الاحتقان بين الفلسطينيين والإسرائيليين. تقرير مجلة “972+” الإسرائيلية يكشف أن الحكومة الإسرائيلية، ممثلة بوزير الأمن القومي المتطرف إيتامار بن غفير ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بالإضافة إلى المستوطنين وقيادات الجيش والشرطة، تعمل على إشعال التوتر بشكل متعمد.
تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية اليومية
ويشير التقرير إلى أن التهديد الحقيقي لا يأتي من الفلسطينيين، بل من السياسات الإسرائيلية التي تصوّر رمضان وكأنه شهر متفجر، بينما الواقع يظهر انخفاضًا في الهجمات الفلسطينية، مقابل تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية اليومية على القرى والمواطنين الفلسطينيين، وحملات الاعتقال والإخلاء، وسياسات التهجير القسري، والتضييق على الوصول إلى القدس والمسجد الأقصى. في هذا السياق، تتحول السياسات الأمنية الإسرائيلية إلى أداة لإعادة تعريف السيطرة على الأرض والهوية الدينية والثقافية، ما يخلق بيئة قابلة للانفجار الاجتماعي والسياسي، ويهدد استقرار المنطقة خلال رمضان وما بعده.
وذكرت القناة الثانية العبرية: “حذّر زامير من احتمال زعزعة الاستقرار في الضفة خلال شهر رمضان الذي قد يشهد تصعيدًا فلسطينيًا”. كما عقد قادة الشرطة الإسرائيلية وممثلو وزارة الداخلية اجتماعاً خاصاً مع أئمة وشخصيات عامة أخرى في المدن العربية في الكيان الأسبوع الماضي، داعين إلى التهدئة. فضلا عن أن الاجتماع عكس بوضوح تصوراً أمنياً مفاده أن المواطنين الفلسطينيين يمثلون عامل خطر يجب إدارته، وليسوا مجتمعاً يجب حماية حقوقه وحرية عبادته.
مذابح شبه يومية في القرى الفلسطينية
وعلى النقيض من ذلك، يعمل وزير الأمن القومي المتطرف، إيتامار بن غفير، المسؤول عن الشرطة، على تشريع يُسهّل حظر الأذان. وقد بدأت الشرطة، في عهد بن غفير، بفرض غرامات على “الإزعاج الضوضائي” الصادر من المساجد، وهي سياسة يُتوقع تكثيفها خلال صلاة التراويح في رمضان.
تحذيرات المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بعيدة كل البعد عن الواقع فرمضان ليس تهديداً، ولا هو “شهر متفجر”، ولم يكن كذلك قط. السؤال الذي يجب أن نطرحه هو: من يرغب حقاً في تصعيد الأمور خلال رمضان، ومن يجب أن نحذر منه؟ فقد شهدت الأسابيع الأخيرة انخفاضاً في عدد الهجمات التي يشنها فلسطينيون ضد يهود إسرائيليين، في المقابل، يشن المستوطنون الإسرائيليون مذابح في القرى الفلسطينية بشكل شبه يومي، مما أجبر نحو 700 فلسطيني على النزوح من ديارهم هذا العام وحده. حسب تقرير المجلة.
ويوم الجمعة الماضي، هاجم مستوطنون قرية مخماس وأطلقوا النار على شاب فلسطيني يبلغ من العمر 19 عاماً، ما أدى إلى استشهاده، بينما كان جنود إسرائيليون يشاهدون. وفي الوقت نفسه، اعتقلت قوات الاختلال أكثر من 100 فلسطيني في الضفة الغربية خلال الأسبوع الأول من شهر رمضان.
تغييرات جوهرية في سياسات الضفة
وبينما يستولي المستوطنون على المزيد من الأراضي الفلسطينية، تعمل الحكومة الإسرائيلية في الوقت نفسه على جعل الضم واقعاً قانونياً. وقد وافق المجلس الوزاري الأمني السياسي الإسرائيلي مؤخراً على تغييرات جوهرية في سياسات الضفة الغربية، تشمل تسهيل بيع الأراضي لليهود، ونقل سلطة إدارة الحرم الإبراهيمي إلى الإدارة المدنية الإسرائيلية.
في غضون ذلك، أعلن وزير المالية بتسلئيل سموتريتش أن أحد أهدافه لدورة الكنيست المقبلة هو “تشجيع الهجرة” من غزة والضفة الغربية، وهو تعبير يستخدمه للإشارة إلى التطهير العرقي.
من جانبه، دعا بن غفير صحفيين من اليمين الإسرائيلي لزيارة سجن عوفر الأسبوع الماضي، حيث استشهد ما لا يقل عن خمسة أسرى فلسطينيين رهن الاحتجاز منذ 7 أكتوبر – لعرض الظروف المزرية التي يُعتقل فيه الأسرى. حتى في القدس، يستمر التصعيد من الجانب الإسرائيلي مع عمليات إخلاء جماعية من الأحياء الفلسطينية لصالح منظمات المستوطنين. كما أغلقت الشرطة الإسرائيلية منظمات إنسانية عاملة في المدينة.
واستدرك تقرير المجلة: لكنّ المسجد الأقصى هو المكان الذي تنطوي فيه سياسات “إسرائيل” على أكبر خطر لإثارة رد فعل عنيف. فرغم نفي رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، قام بن غفير من جانب واحد بتغيير الوضع الراهن الذي استمر لعقود في باحة المسجد، المعروف أيضاً باسم جبل الهيكل، بالسماح بالصلاة اليهودية في الموقع، بل وسماحه مؤخراً باستخدام صحف مطبوعة.
فقد فرضت “إسرائيل” قيودًا على دخول الفلسطينيين من الضفة الغربية إلى القدس، بحيث لا يتجاوز عددهم عشرة آلاف شخص، بينما مددت ساعات زيارة اليهود للحرم القدسي، ومع ذلك، مرّت أول جمعة من رمضان بهدوء. وإذا ما حدث تصعيد، فسيكون من تدبير جهة واحدة فقط: الحكومة الإسرائيلية.
وأكدت المجلة أن الحقيقة واضحة وضوح الشمس: الدافع نحو اندلاع أعمال عنف هذا الشهر ينبع من “إسرائيل” وحدها. فاستمرار دعم الحكومة للمستوطنين في الضفة الغربية، والقيود المفروضة على دخول الفلسطينيين إلى القدس، وجهود بن غفير لتغيير الوضع الراهن في المسجد الأقصى، وسياسة التخلي عن المواطنين الفلسطينيين في مواجهة الجريمة المنظمة، كلها عوامل تُنذر بإثارة غضب شعبي وتصعيد، حتى وإن لم يصل الأمر إلى حد أحداث مايو/أيار 2021.





