دخل العراق مرحلة سياسية جديدة مع تكليف علي الزيدي بتشكيل الحكومة، في خطوة وُصفت بأنها اختبار حقيقي لقدرة بغداد على إنتاج قرار سياسي مستقل وسط ضغوط داخلية وتشابكات إقليمية ودولية معقدة.
ويأتي هذا التطور بعد مخاض سياسي صعب وخلافات ممتدة داخل القوى الفاعلة، انتهت إلى الدفع بمرشح تسوية اعتبره كثيرون مخرجًا من حالة الانسداد التي خيمت على المشهد.
ويحمل تكليف الزيدي دلالات تتجاوز مجرد تشكيل حكومة جديدة، إذ يعكس محاولة لإعادة ترتيب التوازنات داخل النظام السياسي العراقي، خاصة أنه جاء في لحظة تتقاطع فيها حسابات النفوذ، وأزمات الاقتصاد، والضغوط المرتبطة بالعلاقة مع واشنطن، فضلًا عن تحديات الداخل العراقي المتراكمة.
اختبار استقلال القرار العراقي
ويرى مراقبون أن التكليف يمثل اختبارًا مباشرًا لفكرة استقلال القرار العراقي، خصوصًا في ظل الجدل الواسع بشأن تأثير العوامل الخارجية على مسار تشكيل الحكومة، فاختيار شخصية توصف بأنها توافقية وذات خلفية اقتصادية ومصرفية، بدا محاولة لتمرير معادلة تجمع بين التهدئة السياسية وطمأنة الداخل والخارج في آن واحد.
الرهان هنا لا يتعلق فقط بقدرة المكلف على تشكيل حكومة خلال المهلة الدستورية، بل بقدرته على إدارة معادلة شديدة التعقيد بين قوى سياسية متنافسة، وشركاء دوليين يملكون أدوات ضغط مؤثرة، ما يجعل نجاح المهمة مرهونًا بمدى قدرة بغداد على حماية قرارها الوطني من التجاذبات.
الاقتصاد والدولار.. الملف الأكثر حساسية
وفي خلفية المشهد السياسي، يبرز الملف الاقتصادي بوصفه العامل الأكثر حساسية في معادلة التكليف، فالعراق يواجه تحديات مرتبطة بالسيولة، وسوق الدولار، والضغوط المفروضة على القطاع المصرفي، إلى جانب مخاوف من أي إجراءات قد تؤثر على تدفقات الأموال أو حركة التجارة.
هذا الواقع جعل من شخصية الزيدي، القادمة من خلفية اقتصادية، محل اهتمام خاص، إذ يرى البعض أن هذا الاختيار يحمل رسالة بأن المرحلة المقبلة لن تكون سياسية فقط، بل اقتصادية بامتياز، مع أولوية لإدارة ملفات الإصلاح المالي، واحتواء المخاطر المرتبطة بالأسواق والاستقرار النقدي.
وتزداد أهمية هذا البعد مع تصاعد الحديث عن استخدام الأدوات الاقتصادية في الضغط السياسي، وهو ما يضع الحكومة المرتقبة أمام اختبار مبكر يتعلق بحماية الاقتصاد من أي هزات محتملة.
من رجل أعمال إلى رئاسة الحكومة
ويثير صعود علي الزيدي من عالم الأعمال إلى صدارة المشهد التنفيذي تساؤلات بشأن طبيعة المرحلة المقبلة، وهل تتجه بغداد نحو نموذج تكنوقراطي بواجهة سياسية، أم أن الرجل سيكون مجرد حل توافقي مؤقت لإدارة التوازنات؟
ويرى أنصار هذا الخيار أن الخلفية الاقتصادية قد تمنح الحكومة المقبلة قدرة أكبر على التعامل مع الملفات المعقدة، خصوصًا في مجالات الاستثمار، والتنمية، والخدمات، بينما يطرح آخرون تساؤلات بشأن قدرة شخصية قادمة من خارج المسار السياسي التقليدي على إدارة شبكة التوازنات العراقية شديدة الحساسية.
لكن المؤكد أن الرجل يدخل المهمة وسط سقف مرتفع من التوقعات، وضغوط لا تمنح هامشًا كبيرًا للمناورة.
تحديات ثقيلة تنتظر الحكومة الجديدة
وهذا التكليف لا يعني نهاية الأزمة، بل بداية اختبار أكثر تعقيدًا. فالحكومة المرتقبة ستواجه ملفات متراكمة تشمل الإصلاح الاقتصادي، مكافحة الفساد، ضبط العلاقة بين الدولة ومراكز النفوذ، إلى جانب تحديات الأمن والخدمات وإعادة ترميم الثقة الشعبية.
كما أن المشهد الإقليمي المضطرب، وما يرتبط به من انعكاسات على العراق، يضيف عبئًا إضافيًا على أي حكومة مقبلة، خاصة في ظل الحاجة إلى الحفاظ على توازن دقيق في العلاقات الخارجية دون الانزلاق إلى محاور الصراع.
ويذهب محللون إلى أن نجاح الزيدي لن يقاس فقط بتمرير حكومته برلمانيًا، وإنما بقدرته على تقديم نموذج حكم يخفف الاحتقان ويعيد ترميم مؤسسات الدولة.
ويرى متابعون أن تكليف الزيدي قد يكون نقطة تحول إذا نجح في تحويل “مرشح التسوية” إلى مشروع دولة، لكنه قد يتحول أيضًا إلى اختبار صعب إذا اصطدمت الحكومة الجديدة بموازين القوى التقليدية أو ضغوط الخارج، فالمرحلة الراهنة لا تبدو مجرد انتقال سياسي، بل إعادة تعريف لمسار الدولة العراقية في ظل تحولات كبرى. ومن هنا تكتسب هذه اللحظة أهمية استثنائية، لأن نجاحها قد يفتح الباب أمام قدر أكبر من الاستقلال السياسي، بينما تعثرها قد يعيد إنتاج دوائر الأزمة ذاتها.
وفي المحصلة، لا يبدو تكليف علي الزيدي مجرد إجراء دستوري لتشكيل حكومة، بقدر ما يمثل مفترق طرق سياسيًا واقتصاديًا للعراق. فهو اختبار للاستقلال، وامتحان لقدرة النظام السياسي على إنتاج حلول من الداخل، ومحاولة لالتقاط توازن جديد في بيئة إقليمية ودولية مضطربة.
وبين رهانات النجاح ومخاطر التعثر، تبقى الأسابيع المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كان العراق يتجه نحو مرحلة أكثر استقرارًا، أم يدخل جولة جديدة من التجاذب تحت عنوان جديد، لكن بأزمات قديمة.




