تعود الولايات المتحدة إلى حافة سؤال قديم جديد: إلى أي مدى يمكن أن تذهب القوة العسكرية عندما تفشل الدبلوماسية؟ فبينما يواصل دونالد ترامب الإشارة إلى رغبته في التوصل إلى تسوية مع إيران، تكشف التحركات الميدانية عن واقع أكثر تعقيدًا، حيث يتزايد الحضور العسكري الأميركي في المنطقة بوتيرة تثير القلق داخل واشنطن وخارجها.
حشد عسكري يسبق القرار… لا يضمنه
تشير المعطيات المتداولة داخل الأوساط الدفاعية إلى أن وزارة الدفاع الأميركية دفعت بوحدات إضافية من مشاة البحرية، إلى جانب تعزيزات من الفرقة 82 المحمولة جوًا، في خطوة تضع آلاف الجنود على مقربة من مسرح عمليات محتمل. ورغم أن هذه التحركات تُبرَّر رسميًا بأنها “احترازية”، فإن حجمها ونوعها يعيدان إلى الأذهان بدايات تدخلات عسكرية سابقة انتهت بتورط طويل الأمد.
داخل الكونغرس، لا تبدو الصورة أكثر وضوحًا. فقد أقر النائب مايك روجرز بأن الإحاطات المغلقة لم تقدّم إجابات كافية حول أهداف الانتشار، ما يعكس حالة من الضبابية الاستراتيجية التي غالبًا ما تسبق القرارات الكبرى.
خيارات عسكرية… كلها مكلفة
يتداول المخططون العسكريون ثلاثة سيناريوهات رئيسية، لا يخلو أي منها من مخاطر عالية. أولها يتمثل في السيطرة على جزيرة خرج، الشريان النفطي الأهم لإيران، وهي خطوة قد تشل اقتصاد طهران لكنها تحمل في طياتها تصعيدًا مباشرًا. أما الخيار الثاني فيتمثل في عمليات خاصة تستهدف المنشآت النووية، وهي مهمة معقدة في بيئة محصنة ومترامية. بينما يذهب السيناريو الثالث إلى نشر قوات على طول الساحل الإيراني بهدف تأمين مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم.
ويرى محللون، من بينهم مايكل أوهانلون، أن هذه الخيارات أقرب إلى مقامرة عسكرية منها إلى خطة محسوبة النتائج، خصوصًا في ظل تغير طبيعة الحروب الحديثة، حيث تلعب الطائرات المسيّرة والألغام البحرية دورًا حاسمًا في تقويض التفوق التقليدي.
إيران ترفع سقف الردع
في المقابل، لا تترك طهران مجالًا للغموض في رسائلها. فقد حذرت من رد “شامل” على أي وجود بري أميركي، مع التلويح بإغلاق الخليج العربي عبر نشر ألغام بحرية، وهو سيناريو كفيل بإشعال أزمة طاقة عالمية. هذه التهديدات لا تُقرأ فقط كتصعيد، بل كجزء من استراتيجية ردع تهدف إلى رفع كلفة أي قرار أميركي إلى مستويات غير مقبولة سياسيًا وعسكريًا.
انقسام داخلي أميركي… وخطوط حمراء سياسية
اللافت أن التحفظات لا تقتصر على الخصوم السياسيين داخل الولايات المتحدة، بل تمتد إلى بعض حلفاء ترامب أنفسهم. فقد أعلنت النائبة نانسي ميس رفضها الصريح لأي تدخل بري، محذّرة من تكرار سيناريو العراق. هذا الانقسام يعكس إدراكًا متزايدًا بأن الحروب البرية لم تعد تحظى بالقبول الشعبي ذاته، خاصة بعد تجارب مكلفة في الشرق الأوسط.
في المقابل، يدفع بعض الجمهوريين، مثل ليندسي غراهام، نحو خيار أكثر تشددًا، معتبرين أن الضغط العسكري المباشر قد يكون السبيل الوحيد لإجبار إيران على التراجع.
ذاكرة أفغانستان والعراق… تحذير من الانزلاق
التاريخ القريب يلقي بظلاله الثقيلة على النقاش الدائر. فكما بدأت العمليات في أفغانستان بقوة محدودة، سرعان ما تحولت إلى أطول حرب خاضتها الولايات المتحدة. هذا الدرس لا يغيب عن أذهان القادة العسكريين، الذين يدركون أن أي موطئ قدم على الأرض الإيرانية قد يتحول إلى التزام طويل ومعقد.
وقد عبّر وزير الدفاع الأميركي الأسبق جيمس ماتيس عن هذا القلق بوضوح، مشيرًا إلى أن النجاحات العسكرية لا تعني بالضرورة تحقيق أهداف استراتيجية، في نقد ضمني للأطروحات التي تتحدث عن تغيير النظام أو “استسلام غير مشروط”.
بين الدبلوماسية والتصعيد… نافذة تضيق
رغم التصعيد العسكري، تؤكد الإدارة الأميركية استمرار الاتصالات مع طهران. وأعلنت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت عن “محادثات مثمرة”، في إشارة إلى أن باب الحل السياسي لم يُغلق بعد.
لكن التناقض بين لغة الدبلوماسية ومنطق الحشود العسكرية يضع مصداقية هذا المسار على المحك. فكل تعزيز ميداني جديد يضيق مساحة المناورة السياسية، ويزيد من احتمالات سوء التقدير.
مشهد إقليمي على حافة التغيير
في الخلفية، تتغير مواقف الحلفاء. أوروبا تدفع نحو التهدئة، بينما تميل بعض دول الخليج إلى موقف أكثر صرامة تجاه إيران، في تحول يعكس قلقًا متزايدًا من استمرار التوتر دون حسم. هذا التباين قد يعقّد أي تحرك أميركي، إذ يفرض حسابات إضافية تتجاوز المواجهة المباشرة مع طهران.




