عادت إيران لتوظيف مضيق هرمز كورقة استراتيجية في قلب الصراع الإقليمي، عبر طرح مقايضة جديدة تقوم على فتح المضيق وضمان أمن الملاحة مقابل رفع الحصار الأميركي عن موانئها وسفنها، في خطوة تعكس تحولا في أدوات التفاوض الإيرانية من الملف النووي إلى معادلة الأمن البحري والطاقة.
ويقوم المقترح، الذي نُقل عبر وسطاء، على معالجة أزمة الملاحة أولا وتأجيل القضايا النووية إلى مرحلة لاحقة، وهو ما يُقرأ باعتباره محاولة لإعادة ترتيب أولويات التفاوض عبر بوابة المصالح الدولية المرتبطة بإمدادات النفط وحركة التجارة العالمية، خصوصًا مع تصاعد المخاوف من أي اضطراب جديد في أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم.
وتحمل هذه المبادرة رسائل مزدوجة؛ فمن جهة تسعى طهران إلى تخفيف الضغوط الاقتصادية والعقوبات المفروضة عليها، ومن جهة أخرى تلوّح بامتلاكها أدوات تأثير جيوسياسية لا يمكن تجاوزها في أي ترتيبات إقليمية مقبلة.
تعثر المسارات التفاوضية
ويأتي الطرح الإيراني في ظل تعثر المسار التفاوضي التقليدي، مع استمرار الخلاف بين طهران وواشنطن بشأن شروط أي اتفاق شامل، لا سيما مع تمسك الإدارة الأميركية بربط أي تفاهم مستقبلي بملف البرنامج النووي، في مقابل رفض إيران تقديم تنازلات في هذا الإطار قبل معالجة الضغوط الاقتصادية.
وفتح هذا التعثر الباب أمام صيغ تفاوض غير تقليدية، تركز على الملفات الأمنية والممرات الحيوية باعتبارها مدخلاً لبناء تفاهمات أوسع، وهو ما يعكس إدراكًا متزايدًا بأن الصراع لم يعد يقتصر على الملف النووي وحده، بل يمتد إلى خرائط النفوذ والملاحة والطاقة.
موسكو تعرض الوساطة
في موازاة التحرك الإيراني، برزت موسكو كلاعب يسعى إلى استثمار اللحظة الجيوسياسية لتعزيز حضورها في ترتيبات الشرق الأوسط، مع إعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين استعداد بلاده لبذل ما في وسعها لتحقيق السلام في المنطقة.
ولا يبدو التحرك الروسي مجرد دعم دبلوماسي لطهران، بل يحمل مؤشرات على محاولة لعب دور الوسيط أو الضامن في أي تفاهمات محتملة، مستفيدة من علاقاتها الاستراتيجية مع إيران وقدرتها على التواصل مع أطراف دولية وإقليمية متباينة.
ويرى مراقبون أن موسكو تسعى إلى تحويل التوتر الحالي إلى فرصة لإعادة تثبيت موقعها في معادلات الأمن الإقليمي، خصوصًا في ظل التحولات التي تشهدها المنطقة بعد تصاعد الأزمات البحرية والعسكرية.
هرمز وباب المندب.. أوراق ضغط
وتعكس التصريحات الإيرانية بشأن امتلاك أوراق تتعلق بهرمز وباب المندب وخطوط النفط انتقال المواجهة إلى مستوى أكثر ارتباطًا بموازين الردع الاستراتيجي، حيث لم تعد أدوات الضغط تقتصر على الخطاب السياسي، بل تشمل التلويح بتأثيرات مباشرة على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
ومع استمرار الوجود العسكري الأميركي في محيط الخليج، وتوجيه سفن لتغيير مساراتها أو العودة إلى الموانئ، تتصاعد مؤشرات الاحتكاك البحري بما يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى الأزمة.
وتضع هذه التطورات أمن الممرات البحرية في صدارة الأولويات الدولية، باعتبارها نقطة تماس بين الصراع العسكري والمصالح الاقتصادية العالمية.
الملاحة الدولية بين التهدئة والتصعيد
ورغم التصعيد السياسي، فإن التحركات الجارية تكشف وجود محاولة لإدارة التوتر أكثر من الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، إذ يبدو أن كل طرف يرفع سقف الضغط لتحسين شروط التفاوض دون الوصول إلى كسر شامل لقواعد الاشتباك.
وفي هذا السياق، تبرز معادلة “التصعيد من أجل التسوية” كعنوان للمرحلة الراهنة، حيث يُستخدم التوتر البحري وأمن المضائق كورقة تفاوضية لإعادة فتح قنوات الحوار بشروط جديدة.
السؤال المطروح الآن هو ما إذا كانت مقايضة فتح هرمز برفع الحصار تمثل مجرد مناورة تفاوضية أم مقدمة لمسار تسوية أوسع قد يمتد إلى ملفات إقليمية أكثر تعقيدًا.
ففي ظل انخراط روسيا، واستمرار الاتصالات غير المباشرة، وارتفاع كلفة التصعيد على الجميع، تبدو المنطقة أمام احتمالين متوازيين: إما توظيف هرمز كبوابة لصفقة سياسية أوسع، أو تحوله إلى ساحة جديدة لاختبار توازنات القوة بين واشنطن وطهران.




