دخلت الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة من التجاذبات السياسية والدبلوماسية، مع دراسة واشنطن مقترحات إيرانية تتعلق بإعادة فتح مضيق هرمز، في خطوة تعكس محاولات حثيثة لكسر الجمود الذي يطوق مسار التهدئة منذ أسابيع، لكن الخلافات المرتبطة بالملف النووي لا تزال تمثل العقبة الأبرز أمام الوصول إلى اتفاق شامل ينهي الحرب ويعيد الاستقرار إلى المنطقة.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن طهران طرحت عبر وسطاء مقترحات جديدة تقوم على إعادة فتح مضيق هرمز مقابل تأجيل البت في القضايا النووية إلى مرحلة لاحقة، وهو ما فتح نقاشًا واسعًا داخل دوائر صنع القرار الأميركية، وسط تباين بشأن كيفية التعاطي مع العرض الإيراني، بين من يراه مدخلًا لتخفيف التصعيد، ومن يعتبره مناورة سياسية تستهدف كسب الوقت.
مضيق هرمز في قلب المساومات
ويبدو أن مضيق هرمز تحول من مجرد ممر مائي استراتيجي إلى ورقة تفاوض مركزية في الصراع، في ظل تأثيره المباشر على أسواق الطاقة العالمية، خاصة مع مرور نحو خُمس صادرات النفط والغاز المسال عبره في الظروف الطبيعية.
ورغم سريان وقف إطلاق النار منذ أسابيع، فإن المضيق ما زال محورًا للأزمة، مع استمرار الحصار والتوترات العسكرية التي تعرقل استعادة الملاحة الكاملة، فيما تسعى القوى الدولية لتجنب أي سيناريو قد يهدد إمدادات الطاقة العالمية أو يدفع نحو موجة اضطرابات اقتصادية جديدة.
وفي هذا السياق، تدرس الإدارة الأميركية المقترحات الإيرانية بحذر، لا سيما مع تمسك واشنطن بأن أي تفاهم بشأن الملاحة أو وقف الحرب يجب أن يكون جزءًا من تسوية أوسع تشمل معالجة البرنامج النووي الإيراني، وليس فصل المسارين كما تسعى طهران.
الملف النووي يعرقل المفاوضات
ورغم الحديث عن مقترحات “أفضل مما كان متوقعًا”، وفق بعض التصريحات الأميركية، فإن جوهر الأزمة لا يزال متمركزًا حول ملف الضمانات النووية وشروط التفاهم المستقبلي.
وتصر الولايات المتحدة على تضمين أي اتفاق ترتيبات تمنع إيران من تطوير قدرات نووية عسكرية مستقبلاً، بينما ترى طهران أن الأولوية يجب أن تكون لإنهاء الحرب ورفع الضغوط قبل الدخول في تفاوض نووي جديد.
ويعكس هذا التباين فجوة عميقة بين الطرفين، ويجعل أي اختراق دبلوماسي مرهونًا بإيجاد صيغة توازن بين متطلبات الأمن الأميركي ومطالب إيران المتعلقة بالسيادة والضمانات.
وبالتوازي مع المداولات الأميركية، كثفت إيران من تحركاتها الدبلوماسية، حيث جاءت زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى موسكو ضمن مسار إقليمي ودولي لتوسيع دائرة الوسطاء والضامنين المحتملين لأي اتفاق.
ويعكس الحضور الروسي في المشهد رغبة موسكو في لعب دور سياسي أكبر في تسوية النزاع، خاصة مع تأكيدات روسية بالعمل لتسريع جهود السلام، بما قد يمنح المفاوضات زخماً إضافياً، خصوصًا في ظل تعثر المسارات الأخرى.
كما أن إلغاء جولات تفاوض سابقة وعودة الاتصالات غير المباشرة يبرزان حجم التعقيد المحيط بالمفاوضات، ويؤكدان أن الأزمة ما زالت تتأرجح بين احتمالات التهدئة والتصعيد.
طهران تطالب بضمانات
وفي موازاة النقاشات السياسية، تصر طهران على الحصول على ضمانات تحول دون تكرار أي هجمات مستقبلية، معتبرة أن أي استقرار دائم في الخليج يرتبط بضمانات أمنية موثوقة، وليس فقط تفاهمات مؤقتة.
وفي المقابل، ترفض واشنطن أي ترتيبات قد تمنح طهران سلطة منفردة على حركة الملاحة في مضيق هرمز، خاصة في ظل الطروحات المرتبطة بتنظيم المرور البحري أو فرض رسوم عبور، وهو ما تعتبره الولايات المتحدة مساسًا بطبيعة المضيق كممر دولي.
هذا الاشتباك السياسي والقانوني حول أمن الملاحة يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى المفاوضات، ويجعل الأزمة أبعد من مجرد خلاف ثنائي، لتتحول إلى ملف ذي أبعاد دولية أوسع.
هل تسبق التهدئة التسوية النووية؟
الطرح الإيراني القائم على فصل ملف الحرب عن الملف النووي يطرح تساؤلات بشأن إمكانية التوصل إلى “اتفاق مرحلي” يبدأ بتهدئة ميدانية وفتح المضيق، ثم الانتقال لاحقًا إلى مفاوضات أكثر شمولًا.
لكن هذا السيناريو يصطدم بتحفظ أميركي واضح، إذ ترى واشنطن أن تجزئة الملفات قد تؤدي إلى اتفاق هش يفتقر إلى الضمانات الاستراتيجية.
وفي المقابل، تبدو طهران متمسكة بمبدأ الخطوات المتدرجة، باعتباره المسار الأكثر واقعية لكسر الجمود الحالي، خصوصًا مع استمرار الضغوط الاقتصادية والعسكرية على الجانبين.
وتشير التطورات الجارية إلى أن المنطقة تقف أمام مفترق حساس؛ فإما أن تتحول المقترحات الإيرانية إلى مدخل لتفاهم أوسع يعيد رسم معادلات الأمن الإقليمي، أو تتعثر تحت وطأة الخلافات النووية فتعود الأزمة إلى مربع التصعيد.
وبين المقاربتين، تبدو واشنطن وطهران أمام اختبار صعب: هل يمكن فصل وقف الحرب عن النزاع النووي؟ أم أن تعقيدات هذا الملف ستظل تحول دون أي تسوية قريبة؟
حتى الآن، لا تزال الإجابة معلقة على طاولة التفاوض، فيما تراقب المنطقة والعالم ما إذا كانت الدبلوماسية ستنتصر هذه المرة على منطق الصدام.




