يومًا بعد الآخر، تتكشف الحقائق والمفاجآت، حول تفاصيل الحرب على قطاع غزة، إذ تبين وجود شبكة نفوذ وتحركات دبلوماسية إسرائيلية مكثفة داخل بريطانيا، امتدت من دوائر السياسة والأمن إلى المال والطاقة والإعلام، في محاولة لتثبيت الدعم الغربي لتل أبيب ومنع أي تحول في الموقف البريطاني تجاه الحرب.
وثق تلك المعلومات تحقيق استقصائي نشرته مجلة “دي كلاسيفايد” البريطانية، حيث سلّط التحقيق الضوء على حجم التنسيق بين السفارة الإسرائيلية في لندن وشخصيات نافذة داخل الأحزاب ومراكز التأثير، ما يثير تساؤلات واسعة حول دور جماعات الضغط والعلاقات الاقتصادية في صياغة المواقف الغربية من العدوان المستمر على قطاع غزة.
تحركات دبلوماسية إسرائيلية مكثفة داخل لندن
التحقيق أظهر تحركات دبلوماسية “إسرائيلية” مكثف داخل لندن خلال حرب غزة، حيث تُظهر اليوميات المسربة للسفيرة “الإسرائيلية” السابقة تسيبي هوتوفيلي شبكة علاقات متداخلة تمتد من دوائر الأمن البريطاني إلى شخصيات سياسية واقتصادية نافذة، في وقت تتواصل فيه الحرب على قطاع غزة وما يرافقها من اتهامات دولية بارتكاب جرائم إبادة.
سفارة الاحتلال في لندن – حسب الوثائق – لم تكن مجرد بعثة دبلوماسية تقليدية، بل تحولت إلى مساحة تنسيق نشطة تجمع بين مسؤولين أمنيين بريطانيين، ولوبيات داعمة للابادة والحرب، ورجال أعمال وممولين مرتبطين بحزب العمال البريطاني، وذلك بالتوازي مع العمليات العسكرية “الإسرائيلية” في القطاع. وتكشف الوثائق أن هوتوفيلي، المعروفة بمواقفها المتشددة وتصريحاتها التي استهدفت الفلسطينيين، لعبت دوراً محورياً في الدفع بالرواية “الإسرائيلية” داخل مراكز القرار البريطانية.
يشير التحقيق أيضاً إلى أنها طرحت في مناسبات علنية تصوراً يعتبر البنية المدنية في غزة، بما فيها المدارس ودور العبادة، أهدافاً عسكرية محتملة، وهو ما أثار سابقاً انتقادات حقوقية واعتُبر تحريضاً على انتهاكات جسيمة للقانون الدولي. وتُظهر اليوميات وجود تنسيق متواصل بين السفارة ومؤسسات ضغط مؤيدة للاحتلال داخل بريطانيا، رغم النفي المتكرر لتلقي هذه الجهات أي دعم مباشر من الحكومة الإسرائيلية. حسب وكالة شهاب.
دعم بريطاني للسياسات الإسرائيلية
ومن بين أبرز ما كشفه التحقيق تسجيل ما لا يقل عن أربع لقاءات مع ستيوارت بولاك، وهو أحد الوجوه البارزة في مجموعة “أصدقاء إسرائيل” التابعة لحزب المحافظين وعضو في مجلس اللوردات، والمعروف بمواقفه الداعمة بشدة لإسرائيل. كما امتد هذا النشاط ليشمل لقاءات مع شخصيات دبلوماسية “إسرائيلية” رفيعة، من بينها مسؤولون في وزارة خارجية الاحتلال مثل يوسي عمراني وميراف إيلون شاهار، حيث جرت هذه الاجتماعات خلال النصف الثاني من عام 2024، بما يعكس مستوى من التنسيق السياسي والدبلوماسي الرفيع لضمان استمرار الدعم البريطاني للسياسات الإسرائيلية.
وفي السياق ذاته، يسلط التحقيق الضوء على حضور لافت لشخصيات مرتبطة بحزب العمال البريطاني، من بينها جون بيرس، المسؤول في مجموعة “أصدقاء إسرائيل” داخل الحزب، واللورد جوناثان مندلزون، حيث جرت لقاءات متكررة في مقر إقامة السفيرة. وتقول الجهات المنظمة لهذه اللقاءات إنها تناولت ملفات إنسانية مثل قضية المحتجزين، لكن توقيتها المتزامن مع الحرب أثار تساؤلات حول طبيعة التأثير السياسي المحتمل.
كما يظهر في اليوميات اسم لوك أكهيرست، النائب في حزب العمال، الذي كان قد شغل سابقاً منصباً في مجموعة ضغط مؤيدة لإسرائيل، حيث تمت لقاءات معه على هامش مؤتمرات حزبية كبرى، وهو ما يعزز – وفق التحقيق – مؤشرات وجود اختراق واسع لمساحات القرار الحزبي البريطاني من قبل شبكات داعمة لإسرائيل.
تورط شركات خاصة في الاستيطان
ومن بين الجوانب الأكثر حساسية، يبرز ملف التمويل السياسي، إذ يشير التحقيق إلى لقاءات جمعت السفيرة مع رجل الأعمال ستيوارت رودن، الذي قدّم تبرعات تتجاوز نصف مليون جنيه إسترليني لحزب العمال قبل انتخابات 2024، وهو أيضاً رئيس شركة استثمار ذات ارتباطات بالسوق الإسرائيلية. رودن يُعرف بتبنيه خطاباً يعتبر الصراع في المنطقة “صراع حضارات”، كما تشير مصادر التحقيق إلى مشاركته في نقاشات غير رسمية مع قيادات حزبية حول قضايا تخص السياسات الإقليمية. ويُظهر التحقيق أيضاً أن نشاط السفيرة لم يقتصر على السياسة، بل امتد إلى قطاعي الطاقة والاستثمار.
وفي هذا السياق، نُقل عن المقررة الخاصة للأمم المتحدة فرانسيسكا ألبانيزي انتقادها لما وصفته بـ”اقتصاد الإبادة”، في إشارة إلى تورط شركات خاصة في مشاريع مرتبطة بالاستيطان والموارد في الأراضي الفلسطينية المحتلة، معتبرة أن هذا النوع من الاستثمار يساهم في تثبيت واقع الاحتلال بدلاً من إنهائه. كما شمل النشاط الدبلوماسي لقاءات مع شركات الصناعات العسكرية الإسرائيلية، بينها شركة “رافائيل”، المعروفة بإنتاج أنظمة تسليح تُستخدم في العمليات العسكرية داخل غزة، وهو ما يسلط الضوء على استمرار التنسيق في المجال الدفاعي والتقني مع جهات بريطانية في ذروة الحرب.




