يتدهور الوضع الإنساني في قطاع غزة، يومًا بعد الآخر، من أبرزها ملف حليب الأطفال، الذي يعد أحد التحديات الحساسة التي تمس الفئات الأكثر ضعفًا، وعلى رأسها الرضع، ومع دخول كميات كبيرة من الحليب إلى القطاع بتواريخ صلاحية شارفت على الانتهاء، تتصاعد مخاوف الأهالي من مدى أمان استخدام هذه المنتجات، في وقت تفرض فيه الظروف المعيشية الصعبة خيارات محدودة أمامهم.
الجهات الرسمية تؤكد صلاحية الحليب للاستخدام، وفق ضوابط معينة، ولكن هناك تحذيرات طبية من مخاطر سوء التخزين واقتراب انتهاء الصلاحية، وهنا تتكشف أزمة تجمع بين تعقيدات إدخال المساعدات، وسوء توزيع الموارد، واحتمالات الهدر، ما يطرح تساؤلات واسعة حول كفاءة إدارة هذا الملف الحيوي في ظل القيود المفروضة على القطاع.
مخاوف الأهالي من صلاحية حليب الأطفال
ووفقا لرصد ميداني، قامت به صحيفة “فلسطين”، تم الاضطلاع على عملية توزيع 200 علبة حليب في أحد المخيمات وسط مدينة غزة الأربعاء الماضي، تنوع تواريخ انتهاء الصلاحية، فبعضها موضح على أسفل عبوة الحليب تاريخ انتهاء صلاحيته والمحدد في 3 مايو/ أيار 2026، وبعضها يحمل تواريخ انتهاء صلاحية في 10، و11، و12 مايو وهذه كانت الفئة الأكثر بين علب الحليب التي رُصدت، وبعضها يحمل تواريخ انتهاء صلاحية في 24، و25، و26، و29 مايو.
اللافت أن هناك جمعيات وزعت هذه النوعية من الحليب كما أظهرت بعض الأمهات في المخيم ذاته، بتاريخ انتهاء في نهاية يوليو/ تموز القادم ما يعطيهن فرصة أكبر للاستخدام. وحصل أحمد علوش على علبة حليب اقتربت صلاحيتها على الانتهاء، لكن طفله محمد البالغ من العمر 8 أشهر لم يتقبل جرعة الحليب الأولى التي أعدتها أمه له، ورغم محاولتها مرة ثانية إلا أن الطفل لم يتقبلها، ولا يخفي “علوش” خشيته من تكرار المحاولة مع الطفل خوفًا من حدوث آثار جانبية عليه.
أما والدة الطفل ساجد عياد، إن طفلها تقبل جرعات الحليب ولم يشكُ من أي مضاعفات، إذ تقوم يوميًا بإعطائه جرعتي حليب، وهذا ما أقرت به أيضا والدة الطفلة الرضيعة “شهد” والتي لم تشتكِ من أي مضاعفات. ودفع دخول كميات كبيرة من حليب الأطفال لخفض سعره فضلا عن توزيعه مجانًا، وقبل أربعة أشهر اشترت والدة الطفل محمد أحمد غبن والبالغ من العمر أربعة أشهر، ثلاث عبوات حليب بسعر 65 شيقلا لكل علبة. حسب صحيفة فلسطين.
ردود أفعال الأهالي بعد استخدام الحليب
وتحكي عن تجربتها: “استخدمت هذه النوعية من الحليب وهو جيد. ولد طفلي بوزن 2 كيلو جرام، والآن تحسن وزنه بعد أربعة أشهر من الولادة، وأصبح بوزن 9 كغم. لكن الطفل لا يتقبل جرعات الحليب المصنع إلا بعدما يشعر بالجوع”. أما جابر جابر وبالرغم من استلام طفله البالغ من العمر شهرين حليب من نفس النوع، إلا أنه لم يستخدمه ولا يخفي أيضا مخاوفه من مسألة قرب انتهاء الصلاحية وإمكانية حدوث مضاعفات أخرى.
ولجأت العديد من العائلات لاستعمال الحليب في إعداد حلوى “الأرز بالحليب” و”البفاريا” دون أي شكاوي من عائلتين” استخدمتاه في الحلوى، فيقول عمر: “استخدمنا عبوة تنتهي صلاحيتها بعشرة مايو/ أيار ولم نشعر أنه فاسد وكان جيدًا”،.
أما أحمد رحمي فاستخدمه لطفلته عائشة “عامان ونصف” كوجبة مدعمة مضافة إلى النشا والسميد وأيضا في “حلوى البفاريا”. وأظهر كشف استلام الأطفال لهذه النوعية من عبوات الحليب، اطلعت عليه صحيفة “فلسطين” في مخيم الإيواء ذاته أن ما لا يقل عن 35 طفلا من عمر أسبوعين حتى عامين، استلم كل طفل على الأقل 5 عبوات، تتنوع فترة انتهاء صلاحيتهم ما يعني صعوبة استهلاك الخمس عبوات خلال شهر، إذ أفاد بعض الأهالي أن الطفل الرضيع يستهلك العبوة الواحدة خلال أسبوعين.
أزمة الحليب وعلاقتها بعدد المواليد
وحسب صحيفة “فلسطين”، تم رصد بيع عبوات من الحليب على مفرق السرايا بسعر 2 شيقل للعبوة الواحدة، وذلك نتيجة اقتراب فترة انتهاء صلاحيته. وتُظهر معطيات وحدة نُظم المعلومات بوزارة الصحة، تسجيل 48.600 حالة ولادة، أسفرت عن 49.267 مولوداً حيّاً، باحتساب الأطفال التوأم خلال عام 2025، وسجلت الوزارة 38 ألف حالة ولادة خلال عام 2024، ما يعني أن الفئة المستهدفة من هذا الحليب الذي يحمل الرقم “1” ويستهلكه الأطفال حتى عمر ستة أشهر، أقل بكثير من الكميات الواردة، ما يطرح تساؤلات حول جدوى إغراق السوق بهذه الكميات.
كشف مسؤول الدراسات والأبحاث بوزارة الاقتصاد د. محمد بربخ، أن أغلبية العبوات تنتهي في مايو، وعدد كبير ينتهي في يونيو/ حزيران وعدد قليل ينتهي في يوليو/ تموز القادم. وقال بربخ لصحيفة “فلسطين”: إن “غالبية الكميات تنتهي بشهر مايو، وبعد الفحص الظاهري والمعاينة للحبيبات وعدم تحجرها تبين أنها لا تعاني من روائح أو تغير في اللون”، مشددا على أن الوزارة طالبت الإسراع في توزيع الحليب والتنويع بين التواريخ وزيادة المستفيدين وتقليل الكميات بحيث يتم استهلاكها وفق مدة الصلاحية.
ولفت إلى أن سماح التوزيع كان وفق معايير وشروط لا بد من تنفيذها بعد المعاينة في 23 إبريل، إذ كان هناك مدة كافية لاستهلاك العبوة، لافتا إلى أنه جرى الاتفاق مع اللجنة في التقرير الفني على أن يتم التوزيع وزيادة قاعدة المستفيدين حتى يتم الإسراع في عملية التوزيع، حتى يستطيع الطفل استهلاكها.
إغلاق المعابر يهدد صلاحية المنتجات
وحول فترة وجود هذه العبوات على المعابر، قال: إن “الجهات المانحة هي من تملك المعلومة حول فترة احتجازها، كون لا يوجد سيطرة لوزارة الاقتصاد على المعابر”، مؤكدا أن الاحتلال يعرقل كل المساعدات وخاصة حليب الأطفال من أجل خلق أزمة وتعريض حياتهم للخطر. وأشار إلى أن كميات محدودة من حليب الأطفال دخلت للقطاع التجاري بغزة، ما سيؤدي إلى خلق أزمة.
بقاء شهر على انتهاء الصلاحية لن يؤدي إلى أعراض شرط أن يكون قد جرى الاحتفاظ به في أماكن مناسبة ولم يتعرض لأشعة الشمس، فضلا عن أن “الشاحنات تحتجز على المعابر لفترات طويلة وتعرضها للشمس يؤدي إلى فساد جزء منها”، بالإضافة إلى المضاعفات التي تحدث بسبب انتهاء الصلاحية تتعلق بحدوث إسهال وانتفاخ بالبطن وعدم تقبله من الطفل واستفراغ. حسب تصريحات رئيس قسم الأطفال بمجمع ناصر الطبي بخان يونس د. أحمد الفرا، لصحيفة فلسطين.




