دخلت الأزمة الإنسانية في اليمن مرحلةً شديدة الحرج والتعقيد، مع تفاقم موجات النزوح القسري التي اتسعت رقعتها لتبلغ مستويات قياسية منذ استئناف المواجهات العسكرية والقتال الشرس بين القوات الحكومية وميليشيا الحوثي. وفيما تحولت المحافظات الإستراتيجية — وعلى رأسها تعز ومأرب — إلى الساحات الأشد التهاباً، أطلقت المنظمات والهيئات الأممية نداءات استغاثة عاجلة تحذر فيها من انهيار كامل لشبكات الأمان الاجتماعي والصحي، في وقت باتت فيه قوافل الإغاثة تقف عاجزة أمام الطرق المقطوعة وانسداد شرايين الإمداد الرئيسية.
1. انفجار موجات التهجير وسقوط شبكات الأمان
حصيلة مفزعة وخارطة اتساع النزوح: كشف مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) عن ارتفاع حصيلة الفارين من ويلات العنف إلى أكثر من 281 ألف شخص منذ مطلع أغسطس الماضي. وتتركز الكثافة الأكبر لهؤلاء المهجرين في محافظة تعز التي تستوعب وحدها أكثر من نصف إجمالي النازحين الجدد، الذين أجبروا على ترك منازلهم ومتعلقاتهم تحت طائلة القصف المتبادل والعمليات الميدانية المتصاعدة.
غياب المقومات الأساسية: تؤكد البيانات الميدانية أن نحو ثلاثة أرباع النازحين (75%) يتكدسون حالياً في المخيمات ومواقع إيواء مؤقتة تفتقر لأدنى المقومات الآدمية؛ حيث يغيب المأوى الملائم، وتندر المياه الصالحة للشرب، وتنعدم خدمات الصرف الصحي الأساسية. وتشير الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 230 ألف شخص يحتاجون بشكل عاجل وفوري لتدخلات طارئة في مجال المياه والإصحاح البيئي لمنع تفشي الأوبئة والأمراض الفتاكة.
2. تقطيع الشرايين واستهداف القطاع الطبي
حصار الجغرافيا والطرق الجبلية: تفاقمت حدة المعاناة الإنسانية نتيجة الأضرار البالغة التي لحقت بالمرور عبر الطريق الرئيسي الحيوي الذي يربط مدينة تعز بالمحافظات الجنوبية. هذا الانقطاع أجبر الشاحنات وقوافل الإغاثة الإنسانية على سلوك طرق جبلية ضيقة وشديدة الوعورة والخطورة، مما ضاعف من زمن وصول المساعدات، ورفع تكاليف النقل، وتسبب في شلل شبه تام لعمليات الاستجابة السريعة خلال الأسابيع الأخيرة.
استهداف الكوادر والمرافق الصحية: لم تسلم المؤسسات الطبية من أتون الصراع المسلح؛ إذ تعرضت الخدمات الصحية لهجمات مباشرة وقصف مدفعي، شمل سقوط قذائف على مراكز طبية ومستشفيات رئيسية في تعز، واستهداف سيارات الإسعاف التي أدى بعضها إلى مقتل وإصابة كوادر طبية وسائقين أثناء أداء واجبهم الإنساني. هذه الاعتداءات دفعت بالعديد من النقاط الطبية الحيوية في تعز ومأرب إلى الإغلاق القسري، مما ضاعف الضغط على ما تبقى من المستشفيات المتهالكة أساساً.
3. مخاطر الحماية وتحذيرات أممية عالية المستوى
تهديدات كبرى للفئات الضجيعة: حذر صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA) من تداعيات الانفلات الأمني والاكتظاظ الشديد داخل المخيمات، مؤكداً أن النساء والأطفال يواجهون مخاطر غير مسبوقة تتعلق بالعنف الجنسي، والزواج القسري، وظواهر الاتجار بالبشر. ويعود ذلك إلى انعدام الإضاءة في المخيمات، وغياب مساحات الخصوصية، وفقدان العائلات لمعيليها جراء المعارك.
دعوات لفتح الممرات واحترام القانون الدولي: جددت الهيئات الأممية مطالباتها الصارمة لكافة الأطراف المتصارعة بضرورة الامتثال الفوري للالتزامات المنصوص عليها في القانون الدولي الإنساني. وشددت على وجوب تحييد المدنيين والمنشآت الصحية والخدمية، وكف يد العبث عن حركة الفرق الإغاثية، مع المطالبة بفتح ممرات آمنة، ومستدامة، ودون أي عوائق بيروقراطية أو ميدانية، لإنقاذ ملايين اليمنيين القابعين تحت وطأة إحدى أسوأ الأزمات الإنسانية التي شهدها العالم في التاريخ الحديث.






