اجتاح مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو مدته 17 ثانية يوثق كرة نارية هائلة وتصاعد دخان برتقالي كثيف مصحوباً بأصوات انفجارات متتالية، وسط ادعاءات بأنه يوثق لحظة استهداف مدينة البصرة جنوبي العراق بغارات أمريكية سعودية.
غير أن تتبع المقطع وتحليله عبر أدوات التحقق الرقمي أثبت أن الفيديو مضلل وخضع لتعديل صوتي، ولا يمت للأحداث الأخيرة في العراق بصلة.
كيف بدأ الانتشار؟
رصد تتبع النسخة الأولى للمقطع أن مؤسسة “Kurdistan24” الإعلامية كانت أول من نشر الفيديو عبر حساباتها الرسمية، مرفقة إياه بعبارة تشير إلى أنه يوثق قصفاً أمريكياً سعودياً على مقر للحشد الشعبي دون ذكر مصدر التسجيل أو سياقه المكاني والزمامني.
ومع تزامن النشر مع التصعيد الميداني الأخير في المنطقة، تداولت عشرات الصفحات والحسابات الإخبارية المقطع بالنص ذاته، ما ساهم في وصوله إلى مئات الآلاف من المستخدمين خلال فترة وجيزة.
التحليل التقني: تركيب مسار صوتي مفبرك
أخضعت وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة المقطع المتداول لتحليل بصري وصوتي دقيق، وتوصلت إلى النتائج التالية:
التلاعب الصوتي: خضع الفيديو لعملية مونتاج أُضيف خلالها مسار صوتي خارجي يتضمن دوي انفجارات متتالية ليتزامن مع تصاعد ألسنة النيران، لإيهام المشاهد بأنه تسجيل حي من موقع الحدث.
تطابق المشهد البصري: أظهرت المقارنة أن العناصر البصرية (حركة الكاميرا، كرة الناري، والدخان) مطابقة تماماً للتسجيل الأصلي، بينما تم التلاعب بالجانب السمعي فقط عبر إضافة مؤثرات صوتية تفتقر لضوضاء البيئة الطبيعية.
الحقيقة: هجوم أوكراني على مستودع ذخيرة بروسيا (سبتمبر 2024)
كشف البحث العكسي عن اللقطات أن الفيديو القديم يعود إلى سبتمبر/أيلول 2024، ولا يمت بصلة للجغرافيا العراقية:
الموقع الأصلي: يُوثق الفيديو انفجارات وقعت في مدينة تيخوريتسك التابعة لإقليم كراسنودار جنوبي روسيا.
سبب الانفجار: نجم المشهد عن هجوم بطائرات مسيّرة أوكرانية استهدف مستودعاً رئيسياً للذخيرة في المنطقة، حيث أدى سقوط حطام المسيّرات إلى اندلاع حريق ضخم وتتابع انفجارات الذخائر المخزنة.
تطابق الزوايا: تم مطابقة المشهد مع تسجيلات وصور أخرى وثقت الواقعة ذاتها في روسيا من زوايا مختلفة آنذاك، مما يؤكد إعادة توظيف المقطع القديم خارج سياقه الزمني والجغرافي لاستغلال الزخم الإخباري الحالي.
يُشكل هذا المقطع نموذجاً متكرراً لأساليب التضليل الرقمي في أوقات الصراعات، حيث تُدمج المؤثرات الصوتية الحديثة مع مشاهد مصورة قديمة بهدف إعادة تدويرها وإكسابها مصداقية زائفة أمام الجمهور.






