مشاهد العدوان والدمار في قطاع غزة منذ سنوات الحرب، لا تنذر بأمل في عودة الحياة كما كانت عليها، ورغم الواقع المؤلم، تبرز مظاهر جديدة للصمود اليومي داخل مخيمات النزوح، حيث تحوّلت مواد المساعدات والأنقاض إلى بدائل للحياة الأساسية. وبين الخيام الممزقة وغياب مواد البناء، يبتكر السكان حلولًا بدائية تتيح لهم التكيف مع واقع قاسٍ يفرضه الحصار وتداعيات الدمار الواسع.
وفي هذا السياق، تكشف قصص الحرفيين والنجارين في جنوب القطاع عن نمط معيشة جديد يقوم على إعادة تدوير مخلفات الحرب لصناعة أبسط مقومات الحياة، في مشهد يعكس حجم الأزمة الممتدة، ويُظهر كيف تتحول بقايا الخشب والمعادن إلى أدوات للبقاء اليومي داخل بيئة تفتقر لأبسط مقومات الاستقرار.
نجارون: نستخدم وسائل بدائية لمساعدة السكان
وفي ورشة تجمع بين النجارة والحدادة، يصنع عمار أبو شرخ ما يشبه “بنية تحتية مصغّرة” لحياة النازحين، من غرف مراحيض ومغاسل متنقلة، كلها من مواد معاد تدويرها، ويقول إن الطلب الأكبر يتركز على مراحيض بدائية لمراكز الإيواء، تُصنع بهياكل قادرة على تحمل خزانات مياه كبيرة، إلى جانب مغاسل بسيطة تساعد الأسر على الطهي والتنظيف داخل الخيام. ويضيف أن هذه الحلول، رغم بدائيتها، تساعد السكان على إدارة حياتهم اليومية في ظل غياب الخدمات الأساسية.
أما محمد وافي 34 عامًا، وهو نجار من خانيونس، إن هذه الطبليات أصبحت من المصادر القليلة المتاحة للخشب مع دخول شاحنات مساعدات محدودة، ويضيف وافي، الذي يعمل في المهنة منذ 16 عامًا، أن الطلب على الأثاث ازداد مع توسع مخيمات النزوح، حيث يبحث السكان عن الحد الأدنى من مقومات الحياة داخل الخيام، مضيفًا: “الناس بدها بس إشي يرفع أغراضها عن الأرض، خصوصًا مع الفئران والصراصير”. حسب المركز الفلسطيني للإعلام.
لكن حتى هذا الأثاث “البديل” لم يعد رخيصًا، مع ارتفاع أسعار المواد الأساسية بشكل حاد. ويوضح أن سعر كيلو المسامير قفز من 5 شواكل قبل الحرب إلى ما بين 100 و130 شيكلًا حاليًا، بينما ارتفعت أسعار المفصلات وأدوات التجميع أضعافًا.
أوضاع صحية ومعيشية متدهورة
في ورشة أخرى، يعمل عدنان عجّور على تفكيك الطبليات نفسها، لكن بهدف مختلف: صناعة مقاعد مدرسية تعوّض ما دمّرته الغارات أو استُخدم كمراكز إيواء، مشيرًا إلى إن نقص الأخشاب أجبره على الاعتماد كليًا على هذه المواد، التي يحصل عليها من مؤسسات إغاثية أو وسطاء، مقابل الاكتفاء بأجر التصنيع.
ولا يقتصر الابتكار على الخشب، إذ تُصنع الهياكل المعدنية من مخلفات الحرب أو بقايا الدفيئات الزراعية المدمرة، وتُلحَم يدويًا في ظل نقص المعدات وارتفاع أسعارها. ويضيف أن العمل عاد إلى أساليب بدائية بسبب تدمير الورش وانقطاع الكهرباء، حيث تُشغَّل المولدات لساعات محدودة يوميًا، بتكلفة تصل إلى نحو 8 آلاف شيكل شهريًا، مقارنة بنصف شيكل للكيلوواط قبل الحرب.
ورغم دخول اتفاق لوقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر/تشرين الأول 2025، بعد عامين من الحرب، لا تزال الأوضاع المعيشية والصحية متدهورة لنحو 2.4 مليون فلسطيني في القطاع، بينهم 1.4 مليون نازح. وتحت هذا الواقع، لا يبدو أن النجارين يصنعون أثاثاً فقط، بل يعيدون تشكيل الحد الأدنى من الحياة، باستخدام ما تبقى من خشب الحرب، في محاولة يومية لمواجهة العدم.
الاحتلال يمنع إدخال مواد البناء
وتنتشر القوارض في مخيمات النزوح، مسببة أمراضًا ومشكلات صحية متزايدة. وكانت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) حذّرت من تدهور الأوضاع الصحية في القطاع، فيما أعلنت منظمة الصحة العالمية تسجيل أكثر من 17 ألف إصابة بسبب القوارض والطفيليات منذ بداية العام.
وتمنع سلطات الاحتلال إدخال مواد البناء، بما فيها الخشب، بدعوى أنها “ذات استخدام مزدوج”. ولم ترد وحدة تنسيق أعمال الحكومة الإسرائيلية في المناطق على طلبات تعليق بشأن هذه القيود، رغم تأكيدها سابقًا أنها تسهّل دخول المساعدات.




