تجد الحكومة اللبنانية نفسها أمام اختبار سياسي وأمني بالغ الحساسية، بعد أن أقدمت مجموعات مؤيدة لـ«حزب الله» على إضاءة صخرة الروشة الشهيرة في بيروت بصور الأمينين العامين السابقين للحزب، حسن نصر الله وهاشم صفي الدين، في مشهد اعتبرته السلطات «تمردًا صريحًا» على قراراتها الرسمية.
الخطوة المفاجئة جاءت في الذكرى الأولى لاغتيال نصر الله، وأثارت جدلاً واسعاً بين الأوساط السياسية والشعبية، لما تحمله من رمزية سياسية وأمنية في قلب العاصمة.
تحركات عاجلة في السراي الحكومي
رئيس الحكومة نواف سلام ألغى مواعيده الرسمية، وعقد سلسلة اجتماعات مكثفة مع عدد من الوزراء والمسؤولين الأمنيين لاحتواء الموقف، وقد خلص الاجتماع الوزاري الطارئ إلى اعتبار ما حدث «مخالفة صريحة لمضمون الترخيص الممنوح للتجمع»، مؤكداً ضرورة اتخاذ الإجراءات القانونية للحفاظ على هيبة الدولة ومؤسساتها.
وأكد نائب رئيس الحكومة طارق متري أن «ما جرى لا يمكن التساهل معه، وهو اختبار لسلطة الدولة وقدرتها على تطبيق القانون».
القضاء والأمن يتحركان لملاحقة الفاعلين
مصادر حكومية كشفت أن رئيس الحكومة عبّر عن امتعاضه من الأجهزة الأمنية لعدم منع خرق القرار الرسمي مسبقاً، وعلى الأثر، أصدر القضاء تكليفاً واضحاً للأجهزة الأمنية بملاحقة المتورطين في رفع صورة نصر الله وتحديد الجهات التي أشرفت على إضاءة الصخرة، تمهيداً لتوقيفهم وإحالتهم على القضاء.
التحقيقات تشمل تتبّع الفرق التقنية التي نفذت العرض الضوئي، وسط معلومات عن تورط مجموعات حزبية منظمة.
زيارة إيرانية تحمل رسائل سياسية
بالتوازي مع هذه التطورات، وصل إلى بيروت علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، للمشاركة في الذكرى السنوية الأولى لاغتيال حسن نصر الله.
ومن المقرر أن يعقد لاريجاني سلسلة لقاءات مع كبار المسؤولين اللبنانيين، ما يضفي على زيارته طابعاً سياسياً مهماً في ظل المناخ المتوتر الذي تمر به البلاد.
وتوقعت مصادر دبلوماسية أن تستغل طهران المناسبة لإعادة تأكيد دعمها لـ«حزب الله» ولحلفائها في لبنان، في وقت تتزايد فيه الضغوط على الحكومة اللبنانية لفرض سيادتها.
توازن دقيق بين القانون والواقع السياسي
يرى مراقبون أن الحكومة اللبنانية تسير على «حبل مشدود»، فهي مطالَبة بإظهار الحزم في مواجهة أي تجاوزات تمس هيبة الدولة، من جهة، وبالحرص على عدم تفجير مواجهة مفتوحة مع «حزب الله» من جهة أخرى، في ظل موازين قوى داخلية معقدة.
ويعتبر هذا الحدث اختباراً مبكراً لحكومة نواف سلام، التي تسعى لإثبات قدرتها على الإمساك بزمام الأمور في مرحلة إقليمية دقيقة.
ويرى أستاذ القانون الدستوري في الجامعة اللبنانية، الدكتور وسيم الحجار، أن ما جرى في صخرة الروشة «ليس مجرد مخالفة إدارية، بل يشكّل تحدياً سياسياً مباشراً لسلطة الحكومة»، موضحاً أن الترخيص الممنوح للتجمع لم يتضمّن أي إشارة إلى استخدام رموز سياسية أو صور لقادة حزبيين.
ويضيف الحجار أن الحكومة «أمام اختبار حقيقي لإثبات قدرتها على تطبيق القوانين على الجميع من دون استثناء، لأن أي تهاون في هذه الحادثة سيُفسَّر على أنه ضعف بنيوي في مؤسسات الدولة».
الرسالة كانت مدروسة بعناية
من جهته، يشير الخبير الأمني والعسكري العميد المتقاعد ناجي أبو فاضل إلى أن إضاءة صخرة الروشة «لم تكن عملاً عفوياً أو عاطفياً، بل رسالة سياسية مدروسة تحمل أبعاداً داخلية وإقليمية».
ويؤكد أبو فاضل أن التوقيت والمكان لم يكونا عشوائيين، فالعرض الضوئي تم في قلب العاصمة، في نقطة رمزية تمثل صورة لبنان أمام العالم، ما يعكس رغبة واضحة في «إظهار نفوذ الحزب وتحديه لسلطة الحكومة».
يعتبر الباحث السياسي سامي نادر أن ما يحدث لا يمكن فصله عن المشهد الإقليمي المتوتر، مشيراً إلى أن «حزب الله» يستخدم مثل هذه التحركات للضغط على الحكومة اللبنانية والجهات الدولية في وقت تتزايد فيه النقاشات حول مستقبل سلاح الحزب ودوره في المعادلة الداخلية.
ويضيف نادر أن الحكومة أمام معادلة صعبة: «فهي مطالبة بالتصدي لخرق القانون، لكن أي تصعيد مباشر قد يؤدي إلى مواجهة مفتوحة قد لا تكون مستعدة لها».
ويُحذر السفير اللبناني السابق فؤاد زين من قراءة زيارة المسؤول الإيراني علي لاريجاني بشكل بروتوكولي فقط، موضحاً أن «تزامن الزيارة مع هذه الحادثة يعكس رغبة طهران في توجيه رسائل سياسية واضحة إلى الداخل اللبناني وإلى المجتمع الدولي».
ويرى زين أن الزيارة تحمل «دعماً معنوياً وسياسياً مباشراً لحزب الله في لحظة حرجة»، وقد تضع الحكومة اللبنانية في موقف أكثر حرجاً بين ضرورة الحفاظ على علاقاتها الدولية وتوازناتها الداخلية.
الحكومة أمام لحظة مفصلية
أما المحلل الاستراتيجي جورج علم، فيعتبر أن الحكومة اللبنانية وصلت إلى «لحظة مفصلية» ستحدد ملامح المرحلة المقبلة.
ويقول علم: «إذا تراجعت الحكومة عن إجراءاتها، فستفقد ما تبقى من هيبة الدولة، أما إذا واجهت بحزم، فهي تدخل في مواجهة مع أحد أقوى اللاعبين على الساحة».
ويشير إلى أن «المرحلة المقبلة ستكون اختباراً حقيقياً لمدى قدرة السلطة على فرض القانون من دون الانزلاق إلى صدام داخلي».






