في خطوة مفصلية تعكس حجم الضغوط الدولية والإقليمية التي تواجهها، أعلنت حركة حماس أنها لن تشارك في إدارة قطاع غزة خلال المرحلة الانتقالية التي تعقب الحرب، وذلك قبل يوم واحد فقط من انعقاد قمة شرم الشيخ للسلام، في خطوة رآها مراقبون مناورة سياسية بقدر ما هي تنازل، تهدف إلى سحب الذرائع أمام إسرائيل ومنعها من تحويل القمة إلى منصة للهجوم على الحركة.
القرار المفاجئ.. تكتيك أم تحول استراتيجي؟
يبدو أن قرار حماس بعدم المشاركة في الحكم لا يعكس تغييراً في جوهر موقفها بقدر ما هو محاولة لتفادي الضغوط الأميركية والإسرائيلية التي جعلت استمرارها في السلطة عبئاً سياسياً، فالرسالة التي تريد الحركة إيصالها هي أنها قد تتراجع عن الواجهة لكنها لن تغادر الميدان، وستبقى حاضرة في خلفية القرار الفلسطيني وفي تفاصيل “اليوم التالي” لغزة.
وتنعقد قمة شرم الشيخ بمشاركة أكثر من عشرين دولة، برعاية مصرية ومتابعة أميركية مباشرة، لتكون أول اختبار حقيقي لخطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإنهاء الحرب في غزة، ومع أن القمة تُقدَّم كمنصة للسلام، إلا أن انسحاب حماس من الحكم قبل انعقادها سحب البساط من محاولات إسرائيل استغلالها للضغط أو لإفشال الهدنة الجديدة.
وفي موازاة ذلك، تتمسك حماس بأن تشمل صفقة تبادل الأسرى المرتقبة أسماء ثقيلة مثل مروان البرغوثي وأحمد سعدات وعباس السيد وإبراهيم حامد، وبحسب مراقبين، فإن الهدف مزدوج: من جهة إحراج سلطة الرئيس محمود عباس، ومن جهة أخرى تكريس صورة الحركة كقوة وطنية جامعة لا تسعى للمكاسب الفئوية فقط، بل لرموز النضال الفلسطيني.
رهان على الشرعية الشعبية بدل الشرعية السياسية
يدرك قادة حماس أن تراجعهم عن الحكم لا يعني خسارة شرعيتهم في الشارع الفلسطيني، بل قد يعيد إليهم جزءاً من الزخم الذي فقدوه خلال سنوات الإدارة القاسية للقطاع، فالتخلي عن السلطة في ظروف الحرب يمنحهم موقع “المدافع عن الشعب” لا الحاكم عليه، وهو ما تحاول الحركة ترسيخه في خطابها الداخلي والخارجي.
ورغم التنازلات السياسية التي ألمحت إليها حماس، إلا أن موقفها من سلاحها لا يزال حاسماً، فقد أكد قادتها مراراً أن “تسليم السلاح غير وارد”، وأن الهدنة الطويلة التي يجري الحديث عنها لا تعني نهاية المقاومة بل تجميد نشاطها مؤقتاً، لأن السلاح بالنسبة للحركة – كما يصفه محللون – ليس أداة عسكرية فقط، بل رمز وجودي وورقة تفاوض أساسية.
الموافقة على هدنة طويلة الأمد تمثل لحماس فرصة لإعادة تنظيم صفوفها وتقييم موقعها الجديد في ظل الاتفاق، فالحركة، وإن قبلت بوقف القتال، ترى في الهدوء المؤقت وسيلة للحفاظ على قوتها العسكرية وإعادة بناء قدراتها السياسية في مرحلة ما بعد الحرب، دون الدخول في مواجهة مباشرة مع الترتيبات الدولية.
خطة ترامب.. غزة تحت إدارة دولية جديدة
وبينما تنص خطة ترامب المؤلفة من 20 بندًا على إدارة قطاع غزة عبر لجنة من التكنوقراط الفلسطينيين، تحت إشراف مجلس سلام دولي برئاسة ترامب وعضوية توني بلير، فهذا يقصى حماس رسميًا عن أي موقع إداري أو سياسي في إدارة القطاع، فيما يُنظر إليها كطرف أمني يجب تحييده لا إشراكه.
في المقابل، أعلنت حماس إلى جانب الجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية رفضها لأي وصاية أجنبية على غزة، مؤكدة أن إدارة القطاع شأن فلسطيني خالص، والبيان المشترك الذي صدر الجمعة الماضي جاء ليضع حدودًا واضحة أمام المساعي الأميركية لتدويل إدارة غزة، ويعيد فتح الباب أمام ما تسميه الفصائل “الحل الوطني المشترك”.
وكشف مصدر في الحركة أن حماس طلبت من القاهرة عقد لقاء وطني شامل قبل نهاية الأسبوع، لبحث تشكيل لجنة إدارية جديدة تدير القطاع، على أن تضم شخصيات مستقلة لا تنتمي إلى حماس، تبدو الخطوة كإشارة حسن نية تجاه مصر والمجتمع الدولي، لكنها في الوقت ذاته محاولة لإبقاء اليد على تفاصيل المشهد الداخلي.
هندسة الحكم الجديد.. من خلف الستار
ويرى مراقبون أن حماس، بإشراكها الفصائل الأخرى في اختيار الأسماء، تسعى لتحقيق هدفين متوازيين: أولاً عزل سلطة عباس عن الترتيبات القادمة، وثانيًا الإبقاء على نفوذها داخل المؤسسات الجديدة بشكل غير مباشر، فالحركة، وإن غابت عن الواجهة، تحاول أن تمسك بخيوط الإدارة من وراء الستار.
من جانبه، يحاول الرئيس محمود عباس استثمار الاتفاق الجديد لاستعادة السيطرة على غزة، لكن بشروط أميركية صارمة تتعلق بالإصلاح والشفافية، فقد أكد حسين الشيخ، نائب رئيس منظمة التحرير، أن السلطة مستعدة للعمل مع ترامب وتوني بلير لدعم وقف إطلاق النار وبدء إعادة الإعمار، وهو ما فُهم كرسالة طمأنة لواشنطن وتل أبيب.
غير أن الموقف الإسرائيلي لا يزال متشدداً، إذ أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو رفضه القاطع لتولي السلطة الفلسطينية إدارة القطاع، معتبراً أن “عباس لا يختلف كثيراً عن حماس في عدائه لإسرائيل”، وهذا الرفض يعقد مهمة واشنطن والقاهرة في التوصل إلى صيغة توازن بين إنهاء نفوذ حماس ومنع عودة الفوضى.
ووسط كل هذا، تلعب القاهرة دوراً محورياً في رسم مستقبل غزة، إذ تستضيف قمة شرم الشيخ وتدير المشاورات بين جميع الأطراف، ويرى مراقبون أن مصر تسعى إلى ضمان أن تبقى غزة ضمن الإطار الفلسطيني الرسمي، مع منع أي تمدد لحماس خارج السيطرة الأمنية المصرية، بما يحافظ على التوازن بين المصالح الإقليمية والهدوء الميداني.
وتسعى قمة شرم الشيخ إلى تثبيت الهدنة وإطلاق مسار سياسي جديد يعيد إدماج غزة في النظام الإقليمي، ومع مشاركة قادة من أكثر من عشرين دولة، تأمل القاهرة وواشنطن أن تتحول القمة إلى نقطة انطلاق لسلام طويل الأمد، لكن بقاء حماس خارج القاعة الرسمية يطرح تساؤلات حول مدى واقعية أي تسوية تستبعدها كلياً.
وفي المشهد الحالي، تبدو حماس بين خيارين أحلاهما مرّ: إما القبول بالإقصاء المؤقت مقابل الحفاظ على وجودها الميداني، أو العودة إلى المواجهة التي ستفقدها ما تبقى من شرعيتها الدولية. ومع ذلك، يراهن قادتها على أن الزمن كفيل بتغيير المعادلات وأن أي إدارة جديدة لغزة لن تستطيع تجاهلهم طويلاً.
وتسري في أروقة حماس نقاشات داخلية حادة حول جدوى التخلي عن الحكم، فبينما يرى جناحها السياسي أن التراجع خطوة ضرورية لحماية التنظيم من الاستهداف، يعتبر الجناح العسكري أن الانسحاب دون مقابل “تنازل خطير” قد يُفهم ضعفاً. هذا الانقسام يهدد بتصدع داخلي قد يؤثر على وحدة الحركة مستقبلاً.
وتحاول حماس توظيف الملف الإنساني كورقة عودة إلى الساحة من باب الإعمار والمساعدات، فالحركة تمتلك شبكة اجتماعية واسعة داخل غزة، تمكنها من التأثير في مشاريع إعادة البناء والتوزيع، ما يجعلها لاعباً أساسياً مهما حاولت الأطراف الدولية تهميشها سياسياً.
الأطراف الإقليمية.. صراع أدوار على مستقبل غزة
وإلى جانب الدور المصري، تراقب كل من قطر وتركيا وإيران المشهد عن قرب. فلكل منها حساباته الخاصة مع حماس. قطر ترى في استمرارها ضماناً لدورها الإنساني والسياسي، وتركيا تعتبرها ورقة ضغط على إسرائيل، أما إيران فتخشى أن يؤدي الاتفاق إلى تفكيك محور المقاومة الذي تمثل حماس إحدى ركائزه.
كما أن إصرار حماس على إطلاق سراح كبار الأسرى ليس فقط مطلباً إنسانياً، بل ورقة ضغط سياسية تهدف إلى استعادة مكانتها كقائدة للمقاومة، فنجاح الصفقة يمنحها مكسباً رمزياً كبيراً أمام شعبها، حتى لو خسرت السلطة السياسية على الأرض.
وفقا لخبراء، فقد تتراجع حماس كتنظيم حاكم، لكنها تظل فكرة حاضرة في وجدان جزء كبير من الفلسطينيين، باعتبارها رمزاً للمقاومة، فحتى إن تم تحييدها سياسياً، تبقى عقيدتها وقدرتها التنظيمية مصدر قلق لإسرائيل وهاجساً لأي إدارة قادمة في غزة.
يرى الدكتور سامي العدوي، أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية، أن إعلان حركة حماس التخلي عن المشاركة في إدارة غزة لا يعني بأي حال من الأحوال انسحابها من المشهد السياسي، بل هو تكتيك محسوب لتخفيف الضغط الدولي والإقليمي عليها، ولإظهار نفسها كحركة مسؤولة تتعامل بمرونة مع المتغيرات.
فالعدوي يعتبر أن الحركة تدرك أن بقاءها في السلطة بعد حرب مدمرة كهذه سيجعلها هدفاً مباشراً للمحاسبة الدولية، لذلك اختارت الانسحاب الشكلي لتبقى ممسكة بخيوط اللعبة من خلف الستار، ويضيف أن تمسك حماس بسلاحها يُعد رسالة واضحة بأن الحركة لا تزال تعتبر نفسها “الضامن الحقيقي لأمن غزة”، وأنها ترفض أي مشروع سلام يُقصي جناحها العسكري أو يحولها إلى فصيل مدني منزوع القوة.
ويرى أن هذه النقطة بالذات ستكون محور الصراع في المرحلة المقبلة بين واشنطن وتل أبيب من جهة، وحماس من جهة أخرى، خاصة إذا أصرت الأخيرة على الاحتفاظ بمنظومتها الأمنية المستقلة داخل القطاع.
أما عن حسابات الحركة الإقليمية، فيوضح “العدوي” أن حماس تراهن على دعم غير مباشر من بعض الأطراف الإقليمية التي ترغب في بقاءها كرقم صعب في المعادلة الفلسطينية، خصوصاً قطر وإيران. فالحركة تراها ضمانة لبقاء القضية الفلسطينية على طاولة الاهتمام الدولي وعدم ذوبانها في مسارات التطبيع العربي – الإسرائيلي.
ويختتم العدوي تحليله بالتأكيد على أن “مرحلة ما بعد اتفاق ترامب” ستكون اختباراً حقيقياً لقدرة حماس على التكيف مع الواقع الجديد دون خسارة شرعيتها الداخلية أو موقعها الشعبي، معتبراً أن الحركة ستتبنى سياسة “الظل الطويل” في الحكم، أي أنها ستدير غزة من الخلف، وتترك الواجهة لحكومة تكنوقراط تعمل تحت رقابتها غير المعلنة.
الحركة بين مطرقة الداخل وسندان الخارج
أما د. منى الشافعي، خبيرة شؤون الشرق الأوسط، فتشير إلى أن حماس تجد نفسها اليوم أمام معادلة معقدة: فمن جهة تواجه ضغوطاً هائلة من الوسطاء الإقليميين والدوليين لقبول خطة ترامب، ومن جهة أخرى تواجه رفضاً من قواعدها الشعبية لأي تنازل يطال “الثوابت”.
وتقول الشافعي إن الحركة تحاول اللعب على التوازن الدقيق بين خطاب المقاومة وحسابات البقاء، لذلك نراها تلوّح بالمشاركة في مفاوضات الأسرى مقابل التشدد في موضوع السلاح والتمثيل السياسي، وترى أن سعي حماس لإطلاق سراح قيادات فلسطينية بارزة مثل مروان البرغوثي وأحمد سعدات ليس مجرد مطلب إنساني، بل خطوة سياسية تهدف لإحراج السلطة الفلسطينية وخلق صورة جديدة للحركة كقائدة للوحدة الوطنية، فالحركة تريد أن تظهر بمظهر “المُنقذ الوطني” الذي يعيد اللحمة بين الفصائل، لا كفصيل محاصر ومعزول.
وتحذر الخبيرة من أن استمرار سياسة “الهروب إلى الأمام” قد تفقد حماس بعضاً من رصيدها الشعبي داخل غزة، خاصة إذا استمرت الأوضاع الإنسانية على ما هي عليه. فالجماهير – حسب قولها – لم تعد تكتفي بالشعارات بل تبحث عن حياة آمنة ومستقبل اقتصادي مستقر، وهو ما سيجبر الحركة على إعادة تقييم أدواتها، وربما القبول بصيغ أكثر مرونة في الحكم والإدارة.
وتختتم الشافعي بقولها إن حماس إن أرادت البقاء فاعلاً أساسياً في اليوم التالي لغزة، فعليها أن تعيد تعريف نفسها: هل هي حركة مقاومة عسكرية، أم حزب سياسي له جناح مسلح؟ فالإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد مصيرها في السنوات القادمة، وموقعها في أي نظام فلسطيني قادم.
الواقع الأمني الجديد سيحسم شكل بقاء حماس
كما يرى د. فؤاد النجار – محلل استراتيجي وباحث في شؤون الأمن الإقليمي، أن التحدي الأكبر أمام حماس اليوم ليس سياسياً فقط، بل أمنياً بامتياز، فخطة ترامب – بحسب النجار – تنص على ترتيبات أمنية مشددة بإشراف دولي، وهو ما يعني أن أي وجود عسكري أو تسليحي خارج هذه المنظومة سيكون مهدداً بالاستهداف، لذلك، فإن احتفاظ حماس بسلاحها سيضعها في مواجهة مباشرة مع الترتيبات الجديدة، وربما يعرضها لعقوبات أو عمليات إسرائيلية محددة تستهدف بنيتها العسكرية.
ويضيف “النجار” أن بقاء حماس في غزة بعد الحرب سيكون على الأرجح في صورة “كيان موازٍ” غير معلن، يعمل عبر خلايا مدنية ومنظمات مجتمعية، وليس من خلال حكم رسمي، وبهذا الشكل، يمكن للحركة أن تحافظ على نفوذها الشعبي وقدرتها على التعبئة، دون أن تتحمل مسؤولية مباشرة عن إدارة القطاع، كما يرى أن الولايات المتحدة تسعى من خلال خطة ترامب إلى تفكيك البنية الأمنية للحركة تدريجياً، عبر دمج عناصر سابقة في أجهزة الأمن الجديدة، وتحييد قيادات الصف الأول بإغراءات مالية أو ضمانات سياسية، لكن النجار يشير إلى أن مثل هذه الخطط نادراً ما تنجح في المدى القريب، لأن البنية العقائدية للحركة لا تزال قوية ومتماسكة.
ويختتم “النجار” تحليله قائلاً إن “حماس لن تزول من المشهد، لكنها ستتحول من فاعل حاكم إلى فاعل مؤثر”، وهو ما قد يجعلها خلال السنوات المقبلة أقرب إلى نموذج “حزب الله اللبناني” من حيث الشكل، أي حركة تمتلك نفوذاً أمنياً وشعبياً واسعاً، لكنها تترك واجهة الحكم لسلطة أخرى تخفف عنها عبء المواجهة الدولية.






