تعيش قيادة حركة «حماس» حالة من الحراك الدبلوماسي والمشاورات الداخلية المكثفة، في أعقاب إعلان الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب خطته المفصلة لإنهاء الحرب في قطاع غزة.
وتشير مصادر مطلعة إلى أن الوسطاء القطريين والمصريين، إلى جانب مسؤولين أتراك، عقدوا أربعة اجتماعات متتالية مع قيادات الحركة في الدوحة، سعياً لدفعها إلى تقديم رد إيجابي على الخطة خلال مهلة لا تتجاوز 3 أو 4 أيام.
نص خطة ترامب
وتنص خطة ترامب على وقف فوري للعمليات العسكرية في غزة، يليها انسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية، وإطلاق سراح متبادل للرهائن والأسرى، مقابل نزع سلاح الفصائل الفلسطينية وخروج مقاتلي «حماس» إلى دول أخرى، وتشكيل إدارة تكنوقراطية انتقالية بإشراف مجلس دولي يترأسه ترامب نفسه.
أكدت مصادر مقربة من الحركة أن حماس لم تصدر بعد موقفاً رسمياً، مشيرة إلى أن القيادة منقسمة بين تيارين: الأول يدفع باتجاه القبول المشروط مع ضمانات دولية، والثاني يرفض بنوداً جوهرية مثل نزع السلاح وترحيل المقاتلين.
مطالب وضمانات
ووفقا لـ«فرانس برس»، كشف مسؤول فلسطيني أن حماس أبلغت الوسطاء بأنها «لا ترفض مبدأ التسوية»، لكنها تطالب بتعديلات أساسية، أبرزها تقديم ضمانات دولية صلبة للانسحاب الإسرائيلي الكامل، ومنع تكرار خرق اتفاقات وقف إطلاق النار كما حدث في مارس الماضي، كما تشدد الحركة على ضرورة عدم المساس بحق المقاومة أو فرض ترتيبات أمنية أحادية الجانب.
وأشار المصدر إلى أن الأزمة الحالية داخل الحركة لا تتعلق فقط بمضمون الخطة، بل أيضاً بـ«موقع حماس في اليوم التالي»، واحتمالات تقليص نفوذها السياسي والعسكري في غزة لصالح إدارة دولية أو فصائل أخرى، وهو ما يثير تحفظات عميقة لدى قياداتها.
تجاهل الجذور السياسية
يرى الخبير في العلاقات الدولية د. سامر الخالدي، أن خطة ترامب تبدو «مغرية على الورق»، لكنها تتجاهل الأساس السياسي للصراع، والمتمثل في الاحتلال وغياب تسوية عادلة. ويشير إلى أن ترامب يعيد طرح مقاربة أمنية واقتصادية دون معالجة قضايا مصيرية مثل القدس واللاجئين وحق تقرير المصير.
ويضيف “الخالدي” أن إشراف ترامب نفسه على مجلس السلام الدولي «يثير تساؤلات حول الحياد»، خاصة أن تجربته السابقة في «صفقة القرن» عام 2020 واجهت رفضاً فلسطينياً واسعاً ولم تحقق اختراقاً.
نزع السلاح.. بند نظري
ويؤكد أن الحديث عن نزع سلاح الفصائل بشكل كامل «يبقى نظرياً»، لأن أي عملية بهذا الحجم تتطلب سلطة شرعية مستقرة وبيئة سياسية هادئة، وهي شروط غير متوفرة حالياً في غزة أو الضفة. كما أن نزع السلاح من طرف واحد سيُفسر فلسطينياً على أنه «استسلام بلا مقابل».
ويخلص إلى أن فرص نجاح الخطة من زاوية الشرعية السياسية «ضعيفة»، ما لم تُدمج ضمن مسار تفاوضي دولي واضح، يشارك فيه الفلسطينيون بصفتهم طرفاً أصيلاً لا متلقياً لإملاءات خارجية.
تحديات ميدانية معقدة
من وجهة نظر أمنية، ترى المحللة السياسية د. ليلى منصور أن تنفيذ البنود الأمنية للخطة يواجه «صعوبات ميدانية هائلة»، أبرزها تفكيك شبكة الأنفاق ومنشآت تصنيع السلاح، ونزع ترسانة ضخمة تمتلكها حماس وفصائل أخرى، وتوضح أن هذه العملية تتطلب وجوداً ميدانياً كثيفاً وتعاوناً شعبياً، وهما أمران غير مضمونين.
وتشير إلى أن فكرة نشر «قوة استقرار دولية» في غزة ستواجه عراقيل قانونية وسياسية، خصوصاً في ما يتعلق بتفويضها وصلاحياتها وتنسيقها مع إسرائيل ومصر والسلطة الفلسطينية، في بيئة حضرية مكتظة قد تشتعل بسهولة.
دروس من تجارب سابقة
وتلفت منصور إلى أن تجارب القوات الدولية في مناطق نزاع أخرى، مثل جنوب لبنان والبوسنة، أظهرت محدودية فاعليتها ما لم تحظَ بدعم سياسي قوي وإجماع دولي واضح، مشيرة إلى أن أي خطأ ميداني قد يشعل مواجهة جديدة، وترى أن النجاح الميداني للخطة مرتبط بوجود «ترتيبات سياسية متوازية»، تُقنع الفصائل والسكان بأن هناك صفقة عادلة، وليس مجرد نزع سلاح قسري بلا مكاسب ملموسة.
ويؤكد الخبير الاقتصادي د. هشام عبد الرازق أن البنود الاقتصادية في خطة ترامب تبدو طموحة، وتشمل إنشاء منطقة اقتصادية خاصة ومنح امتيازات جمركية وإطلاق مشاريع إعمار ضخمة، لكنها «مرتبطة بشروط سياسية وأمنية معقدة»، ويشير إلى أن نجاح أي خطة إعمار يتطلب رفع الحصار بشكل حقيقي، وضمان تدفق المواد والأموال دون عراقيل إسرائيلية، وهو ما لم يتحقق في تجارب سابقة.
ويضيف عبد الرازق أن «اقتصاد السلام» لا يمكن أن ينجح إذا فُرض من أعلى دون مشاركة حقيقية من المجتمع المحلي، موضحاً أن وجود شخصيات دولية مثل توني بلير قد يضفي زخماً إعلامياً، لكنه لا يعالج ضعف البنية القانونية والمؤسسية في غزة، ويحذر من أن أي إخفاق اقتصادي في المراحل الأولى سيقوّض الدعم الشعبي للخطة، ويمنح الفصائل المعارضة ذريعة للرفض والتصعيد.
غياب الفاعلين المحليين
فيما يرى المحلل السياسي الفلسطيني مروان دويات أن أحد أبرز نقاط ضعف الخطة هو «تهميش الفاعلين المحليين»، خصوصاً القوى والفصائل الفلسطينية، في رسم مستقبل القطاع، ويقول إن الاعتماد على إدارة تكنوقراطية بإشراف خارجي قد يبدو عملياً دولياً، لكنه يفتقر إلى الشرعية الشعبية.
ويؤكد أن الانقسام بين «فتح» و«حماس» لم يُحل بعد، والسلطة الفلسطينية تواجه أزمة شرعية متفاقمة، مما يجعل أي ترتيبات دون تفاهم داخلي «هشة وقابلة للانهيار سريعاً».
كما يرى دويات أن منح العفو لمقاتلي حماس مقابل التخلي عن السلاح «يثير أسئلة جدية حول آليات الدمج وضمان الأمن»، معتبراً أن تجاهل هذه التفاصيل يجعل الخطة تبدو كوصاية دولية مرفوضة شعبياً، ويخلص إلى أن أي خطة لا تنبع من الداخل الفلسطيني وتستند إلى توافق وطني ستكون قصيرة العمر مهما كانت مغريات الدعم الدولي.
غياب الغطاء الأممي
ويؤكد الخبير القانوني د. نادر الحوت أن خطة ترامب تفتقر إلى إطار قانوني واضح تحت مظلة الأمم المتحدة، فالقوة الدولية المقترحة تحتاج إلى تفويض من مجلس الأمن، وهو ما قد يواجه اعتراضات من دول كبرى مثل روسيا والصين، كما يشير إلى أن الخطة لا تحدد بوضوح الجهة المسؤولة عن الانتهاكات أو الجرائم خلال المرحلة الانتقالية، ما يخلق فراغاً قانونياً خطيراً قد يعطل التنفيذ ويضعف المصداقية الدولية للمشروع.
ويرى الحوت أن نجاح الخطة يتطلب دمجها في مسار سلام دولي معترف به، وليس تقديمها كمبادرة أحادية من واشنطن، مشدداً على أن الطريق القانوني هو الضمان الوحيد لإضفاء الشرعية وتنفيذ بنود الخطة بشكل مستدام.
وأجمع الخبراء أن قادة حماس وجدوا أنفسهم أمام معادلة معقدة: ضغوط دولية وإقليمية متزايدة، وبنود خطة تحمل مكاسب إنسانية واقتصادية محتملة، لكنها في المقابل تمس جوهر نفوذهم العسكري والسياسي، أما واشنطن، فتعول على الزخم الدولي والوسطاء لدفع الحركة نحو القبول، أما الخبراء فيرون أن فرص التنفيذ ستظل رهناً بمدى دمج الخطة في إطار تفاوضي شامل يحظى بشرعية سياسية وقانونية، وبموافقة الأطراف الفلسطينية، وبين حسابات الداخل وضغوط الخارج، تبقى الأيام القليلة المقبلة حاسمة في تحديد موقف حماس النهائي، وبالتالي مصير خطة ترامب برمتها.






