في الوقت الذي كان فيه مؤتمر نيويورك بشأن حل الدولتين يسعى لتثبيت اعتراف دولي واسع بالدولة الفلسطينية وإعادة إحياء المسار السياسي، خرجت حركة حماس بموقف يعكس تمسكها بخيار السلاح باعتباره “حقاً وطنياً تكفله الشرائع والقوانين”. هذا الخطاب الذي جاء متزامناً مع الاعتراف الفرنسي بدولة فلسطين، بدا وكأنه محاولة من الحركة لتأكيد حضورها في المشهد السياسي بعد أشهر طويلة من الحرب المدمرة على قطاع غزة، وما خلفته من دمار واسع وفقدان عشرات الآلاف من الأرواح وتشريد مئات الآلاف من السكان.
الاحتفاظ بمشروعية المقاومة
اللافت أن حماس لم تلتقط الإشارة السياسية التي حملها مؤتمر نيويورك باعتباره فرصة استراتيجية لتكريس حل الدولتين كخيار دولي جامع، بل أعادت إنتاج خطابها التقليدي الذي يربط الهوية الوطنية باستمرار المقاومة المسلحة. هذا التوجه يثير تساؤلات حول مدى إدراك الحركة لحجم التحول الذي يشهده العالم اليوم، حيث تتسابق الدول الغربية الكبرى، من بريطانيا إلى كندا وأستراليا وصولاً إلى فرنسا، لإعلان اعترافها بالدولة الفلسطينية، في خطوة غير مسبوقة تعكس ضغطاً متزايداً على إسرائيل وقطعاً للطريق على سياساتها التوسعية.
إصرار حماس على إبراز البعد العسكري في خطابها، في لحظة سياسية استثنائية كان يمكن أن تستثمرها لتقوية الشرعية الفلسطينية على المستوى الدولي، يعكس رغبة واضحة في إعادة التموضع لا باعتبارها طرفاً سياسياً فاعلاً في مشروع الدولة، بل كقوة أمر واقع تحاول الاحتفاظ بمشروعية “المقاومة” حتى لو كان الثمن استمرار نزيف الدم والخراب. وفي هذا السياق، يبدو أن الحركة تتجاهل أن المجتمع الدولي، كما عبر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، يريد دولة فلسطينية “منزوعة السلاح” قادرة على العيش جنباً إلى جنب مع إسرائيل في أمن وسلام، لا كياناً عسكرياً موازياً يهدد استقرار المنطقة.
حماس أسيرة منطق السلاح
المفارقة أن خطاب حماس يأتي في وقت تواجه فيه غزة أسوأ أزمة إنسانية في تاريخها المعاصر، حيث يئن السكان تحت وطأة الدمار والحصار وانعدام مقومات الحياة. ومع ذلك، تصر الحركة على التمسك بلغة السلاح بدل الانخراط في النقاش الدولي حول إعادة بناء المؤسسات الفلسطينية وتوحيد الصفوف في مواجهة الاحتلال بالوسائل السياسية والدبلوماسية. هذا الموقف يعزز الانطباع بأن حماس توظف الاعترافات الدولية الجديدة بالدولة الفلسطينية لتعزيز مكانتها الداخلية والإقليمية، أكثر مما تنظر إليه كبوابة لإنهاء المعاناة الممتدة منذ عقود.
وبينما تفتح اعترافات مؤتمر نيويورك نافذة نادرة لفرض ضغط حقيقي على إسرائيل ووقف الاستيطان وإطلاق مسار تفاوضي ملزم، يبدو أن حماس ما زالت أسيرة منطق السلاح، وهو ما قد يعيد إنتاج الانقسام الفلسطيني ويضعف الموقف الموحد في لحظة تاريخية كان يفترض أن تشكل نقطة تحول على طريق الدولة المستقلة. هكذا، يتضح أن الحركة اختارت أن تستثمر الحدث الدولي لتثبيت سرديتها بدلاً من التقاط فرصة طال انتظارها لبناء أفق سياسي جديد لشعب أنهكته الحروب المتتالية.






