يعود ملف قوات سوريا الديمقراطية «قسد»، إلى صدارة المشهد، بوصفه أحد أكثر الملفات قابلية للاشتعال في شمال سوريا، وتكشف دعوة زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان لتركيا للعب دور «تيسيري وبناء» في الحوار بين دمشق و«قسد» عمق المأزق القائم.
وتعكس في الوقت ذاته إدراكًا متزايدًا بأن مسار المماطلة بات يهدد فرص التسوية السياسية، ويعيد فتح أبواب المواجهة. وبين اتفاق معلق منذ مارس/آذار، وضغوط أميركية وإسرائيلية متشابكة، وتوجس تركي من تداعيات الانفصال، تقف المنطقة أمام مفترق طرق حاسم: إما دمج فعلي ينهي حالة السلاح الموازي، أو تصعيد يحمل مخاطر تتجاوز حدود سوريا إلى توازنات الإقليم بأكمله.
رسالة أوجلان
وقال عبد الله أوجلان في رسالة مكتوبة بتاريخ 30 ديسمبر (كانون الأول): «من الضروري أن تلعب تركيا دوراً تيسيرياً وبنَّاءً ويركّز على الحوار في هذه العملية. هذا أمر بالغ الأهمية من أجل السلام الإقليمي ولتعزيز سلامها الداخلي».
ووصف زعيم «حزب العمال الكردستاني»، السجين في تركيا الاتفاقَ الموقع بين «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» والحكومة السورية، بشأن اندماجها في الجيش السوري، بأنه نموذج للحكم الذاتي المشترك، داعياً أنقرة إلى لعب دور يسهل تنفيذه.
وقال أوجلان إن المطلب الأساسي الذي تضمنه الاتفاق الذي وقعه الرئيس السوري، أحمد الشرع، وقائد «قسد»، مظلوم عبدي، في دمشق يوم 10 مارس (آذار) 2025 هو «إقرار نموذج سياسي ديمقراطي يمكّن الشعوب من الحكم الذاتي المشترك».
وحث أوجلان، في رسالة بمناسبة العام الجديد نشرها حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب»، المؤيد للأكراد في تركيا عبر حسابه على «إكس»، الثلاثاء، أنقرة، على أداء دور تيسيري وبنّاء يركز على الحوار في هذه العملية.
تأجيل زيارة قائد قسد لدمشق
وأفادت تقارير بتعرض حاجز مشترك لقوات الأمن الداخلي (الأسايش) وقوات الأمن العام التابعة لـ«قسد»، في دوار الشيحان بمدينة حلب، لهجومٍ مسلح نفذته قوات تابعة لوزارة الدفاع السورية؛ ما أسفر عن إصابة عنصرين من «الأسايش» التي ردت على الهجوم في ظل حالة من الاستنفار الأمني في محيط الموقع.
وأعلنت قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، تأجيل زيارة قائدها العام مظلوم عبدي التي كانت مقررة إلى دمشق اليوم لأسباب تقنية. وأوضح المركز الاعلامي لـ”قسد” أنه كان من المقرر أن يقوم عبدي برفقة وفد التفاوض لشمال وشرق سوريا، بزيارة إلى دمشق اليوم 29 كانون الأول، إلا “أن الزيارة تأجّلت لأسباب تقنية”. حسب الشرق الأوسط.
وقال المركز إنه “سيتم تحديد موعد جديد للزيارة في وقت لاحق يتم الاتفاق عليه بالتوافق بين الأطراف المعنية”، مضيفا أن هذا التأجيل “يأتي في إطار الترتيبات اللوجستية والفنية المرتبطة بالزيارة، دون أن يطرأ أي تغيير على مسار التواصل أو الأهداف المطروحة”.
ضغط أميركي على حكومة دمشق
ووقع الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد “قسد” مظلوم عبدي اتفاقا في 10 مارس/آذار، تضمّن بنودا عدّة على رأسها دمج المؤسسات المدنية والعسكرية التابعة لللإدارة الذاتية الكردية في المؤسسات الوطنية بحلول نهاية العام. إلا أن تباينا في وجهات النظر بين الطرفين حال دون إحراز تقدم في تطبيقه.
وقال عبادة كوجان، معاون وزير الإعلام السوري، في تدوينة على منصة فيسبوك، إن الاتصالات متوقفة حاليا مع قوات سوريا الديمقراطية، مضيفا أن الأرقام أقرب ما تكون للرغبات والتمنيات. يجب على وسائل الإعلام الامتناع عن نشر معلومات خاطئة ومضللة.
وفي وقت لاحق، نقلت وكالة الأناضول عن كوجان قوله “إن ما يتم تداوله اليوم حول عدد مسلحي ما يعرف بقوات سوريا الديمقراطية أو الأسايش، يفتقر للدقة وللموضوعية”. كما أشار إلى عدم دقة ما يجري تداوله بشأن قرب التوصل لاتفاق بين الطرفين ووجود ضغط أميركي على حكومة دمشق بخصوص المضي في هذا الاتفاق، مشددا على أن التواصل ما بين الحكومة السورية وبين “قسد” منقطع ومعلّق حاليا، وأن دمشق تنتظر ردا.
وأضاف: لا يوجد أي جديد بالمطلق في هذا الأمر، موضحا أن الاتفاق المبرم بين الطرفين في 10 مارس/آذار الماضي، على وشك الانتهاء دون حدوث أي انفرج حقيقي، وأن دمشق تنتظر تعاونا حقيقيا لتنفيذه.
خطر الانفصال في سوريا
تصريحات قادة التنظيم مثل مظلوم عبدي، وإلهام عمر، وغيرهما خلال الأشهر الماضية، تؤكد أنه يريد تفريغ الاتفاق من مضمونه، من خلال الحديث المتكرر عن “اللامركزية” والتي تعد غطاء للتجزئة الفعلية، أو ما يمكن أن نطلق عليه “فدرلة” سوريا عبر إقرار الحكم الذاتي لإقليم شمال شرق سوريا على غرار إقليم كردستان العراق، وذلك رغم الخلاف الديمغرافي بين الحالتين. فعلى عكس إقليم كردستان العراق، لا يمثل الأكراد أكثر من 30% من المكونات العرقية في شمال سوريا، فيما يمثل العرب أغلبية تلك المكونات. حسب الجزيرة.
كان من المتوقع أن يمثل سقوط نظام البعث الطائفي، بداية فعلية وجدية لإنهاء خطر الانفصال في سوريا، والذي سيتسبب- حال حدوثه- في تصدعات هائلة في جدار الأمن القومي التركي. لكن وبعد مرور أكثر من عام على رحيل بشار الأسد ونظامه، فإن الأوضاع تبدو أنها تسير صوب التعقيد مرة أخرى في ظل مماطلة قوات “قسد” في تنفيذ اتفاق مارس/آذار؛ طمعا في تغيير الأوضاع داخل الولايات المتحدة ومجيء إدارة أخرى تتماهى مع مطالبهم الانفصالية، وخاصة من جانب الديمقراطيين.
الإبقاء على تنظيم حزب العمال
تركيا تدرك أن إضاعة فرصة وجود الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، دون حسم ملف قوات “قسد” سيكلفها الكثير على المستوى الإستراتيجي، وقد لا تواتيها تلك الفرصة مرة أخرى. لكنها من جانب آخر تدرك أن القرار في واشنطن ليس على نفس المستوى من التوافق، فمن الواضح أن ثمة من يريد الإبقاء على تنظيم حزب العمال بجميع تجلياته وفروعه خاصة في سوريا وشمال العراق.
وهنا ينبغي الإشارة إلى الضغوط الإسرائيلية التي تمارس في نفس الاتجاه لإضعاف تركيا وسوريا إستراتيجيا في المنطقة. كما لا يمكن إغفال السياسات الأوروبية المضطربة في هذا الملف، حيث لا تزال بعض العواصم تحتضن أنصار التنظيم، رغم خطابها الإيجابي تجاه أنقرة على خلفية التهديدات الروسية. حسب الجزيرة.






