محاولة اغتيال قادة حركة «حماس» في الدوحة تحت اسم «قمة النار» كشفت حجم الإرباك الذي تعيشه إسرائيل سياسياً وأمنياً، وأظهرت فجوة واسعة بين الطموح العملياتي والقدرة الفعلية على تحقيق أهداف عسكرية خارج الحدود. العملية، التي نُفذت بموافقة المجلس الوزاري المصغر وأسندت إلى سلاح الجو و«الشاباك»، انتهت بفشل مدوٍ، لكن إسرائيل سارعت إلى تبنيها قبل اتضاح نتائجها، ما وضعها في موقف محرج أمام المجتمع الدولي وأمام الوسيط القطري تحديداً.
انتقادات علنية للحكومة
سياسياً، عكس الأداء الإسرائيلي حالة تخبط واضحة. المعارضة امتنعت عن توجيه انتقادات علنية للحكومة خشية الظهور بمظهر المتخاذل في زمن الحرب، لكن الخطاب العام ظل مثقلاً بالحرج. الأخطر كان في رد فعل عائلات المحتجزين لدى «حماس»، إذ حمّلوا الحكومة المسؤولية عن الإضرار بفرص إتمام صفقة التبادل، ورأوا أن استعراض القوة جرى على حساب أرواح أبنائهم. هذه الانتقادات ضربت في العمق شرعية الحكومة داخلياً، خصوصاً أن قضية الأسرى ما زالت حساسة ومؤثرة على الرأي العام الإسرائيلي.
من زاوية الحسابات الدبلوماسية، دفعت إسرائيل ثمناً إضافياً، إذ ظهرت كدولة تنتهك سيادة قطر، الحليف الإقليمي المهم للولايات المتحدة، في وقت تسعى فيه تل أبيب إلى الحفاظ على دعم واشنطن. ورغم محاولة مكتب نتنياهو إظهار العملية باعتبارها «مبادرة إسرائيلية مستقلة»، فإن التسريبات عن إبلاغ الأميركيين مسبقاً تعزز الانطباع بأن هناك مستوى ما من التنسيق أو التواطؤ، الأمر الذي يضع الولايات المتحدة في موقف حرج بين حليفين رئيسيين في المنطقة.
قطع رأس القيادة
داخلياً، حاول نتنياهو تحويل الفشل إلى إنجاز رمزي من خلال ربط العملية بعملية إطلاق النار في القدس التي أسفرت عن مقتل إسرائيليين، لكن ذلك لم يخفِ حقيقة أن إسرائيل لم تحقق أهدافها المعلنة. وعلى الرغم من إجماع الطيف السياسي الإسرائيلي على دعم مبدأ ملاحقة قادة «حماس»، فإن ذلك الدعم لم يُترجم إلى مكاسب عملية، بل عزز صورة إسرائيل كدولة تتخذ قرارات عالية المخاطر تنتهي بارتداد سلبي على مسار المفاوضات.
أما على المستوى الإستراتيجي، فقد قرأ محللون إسرائيليون مثل رون بن يشاي العملية باعتبارها جزءاً من خطة أوسع لـ«قطع رأس القيادة» وإضعاف وفد التفاوض عبر إبعاد شخصيات بارزة مثل خليل الحية وزاهر جبارين. غير أن هذه القراءة تفترض أن الضربة ستُحدث تغييراً في تركيبة الوفد أو في توازنات الحركة الداخلية، وهو افتراض غير مؤكد في ظل خبرة «حماس» الطويلة في إعادة إنتاج قياداتها والحفاظ على تماسكها التنظيمي.
رسالة عكسية
بدت «قمة النار» كمغامرة محفوفة بالمخاطر فشلت في تحقيق غاياتها العسكرية والسياسية، وفتحت الباب أمام انتقادات داخلية ودبلوماسية واسعة. إسرائيل أرادت أن ترسل رسالة قوة لحماس وللوسطاء، لكنها انتهت برسالة عكسية: أزمة ثقة داخلية، تشكيك دولي، وتعقيد إضافي لمسار المفاوضات. أما «حماس»، فخرجت من المشهد وهي أكثر قدرة على الادعاء بأنها صمدت أمام محاولة اغتيال في عاصمة حليفة للولايات المتحدة، ما يمنحها زخماً إضافياً في الساحة الإقليمية ويقوي سرديتها حول «الإفلات من يد إسرائيل الطويلة».






