أعادت مباريات كأس العالم 2026، وتحديداً المواجهة المثيرة بين أستراليا والولايات المتحدة، تسليط الضوء على مشهد بات مألوفاً ولكن غريباً في آن واحد: نجوم المونديال يركضون بجوارب ممزقة ومليئة بالثقوب العشوائية من الخلف.
هذا السلوك، الذي تحول إلى هوس مستمر في الملاعب منذ نحو 8 سنوات، أثبت أنه أبعد ما يكون عن مجرد صدفة أو عيب في التصنيع. ولكن، ما بين اعتقادات اللاعبين والحقائق الطبية والتجارية الكواليس، ثمة فجوة ضخمة تكشفها التقارير الرياضية العالمية مثل The Athletic و The New York Times.
وجهة نظر اللاعبين: بحثاً عن الراحة النفسية والبدنية
ينطلق اللاعبون في تمزيق جواربهم من فرضية تتعلق بالأداء والراحة الحرجة على أرض الملعب، وتتلخص أسبابهم في شقين:
العامل البدني (تخفيف الحصار): جوارب كرة القدم الحديثة تُصنع غالباً من مادة البوليستر، وهي مادة ممتازة للحفاظ على شكل الجورب ومقاومة امتصاص الماء، لكنها في المقابل تكون ضيقة للغاية ومقيدة للحركة. يعتقد اللاعبون أن إحداث ثقوب في هذه الجوارب يخفف الضغط الميكانيكي على عضلات الساق (السمانة)، مما يتيح تدفقاً أفضل للدم ويقلل من فرص حدوث التشنجات العضلية (الشد العضلي) والإصابات.
العامل النفسي (معادلة الأناقة): الأمر يتعلق أيضاً بالتعبير عن الشخصية والشعور بالتميز. ويلخص مهاجم “وست هام يونايتد” السابق، فرانك نوبل، هذه الفلسفة بقوله: “عندما تبدو بمظهر جيد، تشعر بشعور جيد، وتلعب بشكل جيد”.
ظاهرة عابرة للرياضات: كرة القدم ليست اللعبة الوحيدة التي يشوه فيها الرياضيون ملابسهم من أجل الراحة؛ فللجأ لاعبو “الكريكيت السريع” أحياناً إلى ثقب مقدمة أحذيتهم الرياضية عمداً، للسماح لأصابع أقدامهم بالخروج قليلاً وتجنب احتكاكها المؤلم بطرف الحذاء عند الارتطام العنيف بالعشب أثناء الركض.

الحقيقة الصادمة: ماذا يقول الطب الرياضي وصنّاع الملابس؟
رغم اقتناع اللاعبين التام بفوائد هذا التمزيق، إلا أن العلم والشركات المصنعة لديهم رأي آخر تماماً يصدم هذا “الهوس”:
1. الطب الرياضي: لا دليل علمي.. والعملية معكوسة!
يفجر الدكتور راج برار (من شركة 3CB Performance) المفاجأة مؤكداً أنه لا يوجد أي دليل طبي يدعم ثقب الجوارب كإجراء وقائي لمنع الإصابات.
بل على العكس تماماً، الطريقة الطبية المعتمدة لتقليل الضغط وتحسين الدورة الدموية هي استخدام الجوارب الضاغطة ذات الشدة العالية بين المباريات (في مرحلة الاستشفاء) وليس أثناء اللعب. ويضيف برار أن لاعبي كرة القدم يبذلون نشاطاً بدنياً هائلاً وضخاً عضلياً كافياً يمنع الدورة الدموية من الراحة أو تراكم التورم في الساقين أصلاً أثناء الجري.
2. كواليس الشركات: التضييق من أجل “الشعارات التجارية”
يكشف آلان فاد نيلسن، الرئيس التنفيذي السابق لشركة Hummel للملابس الرياضية، عن سر تجاري وتسويقي وراء هذه الأزمة؛ حيث يوضح أن بعض العلامات التجارية تحيك جواربها بإحكام شديد وضغط مفرط فقط لتحسين وضوح شعاراتها التجارية (Logos) ورؤيتها أمام الكاميرات، وهو ما يسبب ضيقاً مزعجاً وغير مريح لبعض اللاعبين ذوي العضلات الضخمة.
هل التمزيق ما زال ضرورياً؟
تؤكد التقارير أن التكنولوجيا الحديثة جعلت من تمزيق الجوارب سلوكاً “متقادماً” ولا حاجة له؛ فالجيل الجديد من الجوارب يعتمد على مواد متطورة مثل البولي بروبيلين التي توفر مرونة ومتانة أعلى، وتتضمن حشوات شبكية متطورة للتحكم في الحرارة والتهوية، إلى جانب مناطق تبطين ذكية عند الكاحل ومناطق ضغط مدروسة طبياً تحسن تدفق الدم تلقائياً وتحافظ على جفاف وبرودة القدمين دون الحاجة لـ “مقصات” اللاعبين.




