في قلب الحصار الطويل الذي يعيشه قطاع غزة، تبدو صورة السائقين الفلسطينيين أوضح تجسيد للمأساة الإنسانية التي صنعتها آلة الحرب والحصار الإسرائيلي. فهؤلاء السائقون الذين كانوا في السابق ينقلون البضائع التجارية والمواد الأساسية، تحولوا إلى خط الدفاع الأول في معركة يومية لإيصال المساعدات الإنسانية لملايين الجائعين، لكن مهامهم لا تخلو من دماء وموت وإذلال.
أصوات السائقين
المشهد كما تصفه تقارير المنظمات الدولية وأصوات السائقين أنفسهم، أشبه برحلة بين ثلاث جبهات متقاطعة: جبهة القصف الإسرائيلي الذي يطارد القوافل حتى داخل المناطق المحددة رسمياً كـ”إنسانية”، جبهة الجموع الجائعة التي تهرع نحو الشاحنات مدفوعة بانعدام الغذاء، وجبهة العصابات المسلحة التي رأت في الفوضى منفذاً للسطو والنهب. وبين هذه الجبهات، يقود السائقون مركباتهم تحت النار، متشبثين بأمل الوصول إلى محطات التوزيع التي لا تصلها إلا نسبة ضئيلة من المساعدات.
الأرقام التي تقدمها الأمم المتحدة تكشف حجم الانهيار: أكثر من 2100 فلسطيني استشهدوا أثناء محاولتهم الحصول على المساعدات منذ مايو/أيار الماضي، وأقل من خُمس الشاحنات تصل فعلياً إلى وجهتها. في المقابل، تتكدس آلاف الأطنان من المساعدات على المعابر في انتظار موافقات إسرائيلية قد تأتي بعد أيام أو أسابيع أو قد لا تصدر أصلاً. هذا التعطيل المقصود يعكس بوضوح البعد السياسي للحصار، إذ تحاول إسرائيل إعادة صياغة مشهد الإغاثة عبر “مؤسسة غزة الإنسانية” المدعومة أميركياً، في إطار سردية تضع الأمم المتحدة في موضع العاجز وتتهم حماس بالاستيلاء على المساعدات دون تقديم دليل ملموس.
تدمير الشاحنات
القصة الشخصية لمازن وغيره من السائقين تحاكي معاناة جماعية. يبدأ نهاره قبل الفجر في مخيم المواصي، ينضم لقافلة قد تضم خمسين شاحنة، ينتظر لساعات طويلة على الحواجز الإسرائيلية، يخضع للتفتيش والإذلال، ثم يسلك طرقاً عسكرية محفوفة بالموت. ومع ذلك، لا ينتهي الكابوس عند هذا الحد؛ فبعد اجتياز الحواجز، يواجه مازن جموع الجائعين الذين يندفعون نحو شاحنته طلباً لكيس دقيق أو علبة طعام، قبل أن تتساقط عليهم رصاصات القناصة.
المأساة لا تقتصر على الخطر المباشر، بل تمتد إلى البنية التحتية لقطاع النقل نفسه. فمعظم الشاحنات دُمّرت أو فُككت لاستخدام قطعها في إصلاح مركبات أخرى، فيما ارتفعت أسعار قطع الغيار بشكل جنوني بسبب الحصار على دخول المواد الأساسية. هذا الواقع دفع الكثير من السائقين لترك العمل خوفاً على حياتهم، لتبقى المهمة محصورة في قلة تواجه احتمال الموت يومياً مقابل أجر بالكاد يسد رمق عائلاتهم.
سلاح الغذاء
إن قراءة هذه التفاصيل تضعنا أمام صورة مركبة لحرب تتجاوز الاستهداف العسكري إلى تجويع المدنيين، حيث يصبح إيصال المساعدات معركة بحد ذاتها، تدار بقرارات عسكرية إسرائيلية لا تخضع لأي رقابة دولية فعالة. وبينما تروج إسرائيل لرواية “توزيع منظم وآمن”، يروي السائقون حقيقة أخرى: مساعدات تُسرق في وضح النهار، وقوافل تُقصف في الطريق، وأطفال يتسابقون على فتات الطعام تحت وابل الرصاص.
هذه المفارقة المروعة تجعل من سائق الشاحنة الفلسطيني رمزاً مزدوجاً للكارثة والصمود: فهو الضحية المباشرة لحرب لا تنتهي، وهو في الوقت نفسه المنقذ الأخير لملايين الجائعين الذين ينتظرون عودته، ولو بشاحنة شبه فارغة. في النهاية، يتضح أن قصة السائقين ليست تفصيلاً ثانوياً في مشهد غزة، بل تجسيد مكثف لكيفية استخدام الغذاء كسلاح، ولعجز المجتمع الدولي عن حماية أبسط مقومات الحياة في منطقة تعيش على حافة المجاعة والانهيار.






