في المنطقة الممتدة بين الطريقين الاستيطانيين 60 و90 في الضفة الغربية، يعيش الفلسطينيون واقعًا يوميًا معقدًا تُعيد فيه شبكة الطرق الالتفافية والاستيطان المتوسع تشكيل الجغرافيا والحياة معًا. فهذه القرى، رغم تقاربها المكاني، تبدو معزولة بفعل القيود العسكرية والطرق التي فُرضت لخدمة المستوطنات، ما يجعل التنقل والعمل والوصول إلى الخدمات الأساسية رحلة شاقة ومحفوفة بالمخاطر.
ومع تصاعد اعتداءات المستوطنين ومصادرة الأراضي وتقييد الوصول إلى المزارع والمراعي، تتعمق الضغوط الاقتصادية والاجتماعية على السكان، في مشهد يعكس تحولات متسارعة تعيد رسم ملامح الوجود الفلسطيني في تلك المنطقة.
الاحتلال يستهدف تغيير طبيعة التوازن السكاني
القرى الواقعة بين شارعي 60 و90 تتميز بكثافة سكانية فلسطينية أقل نسبيًا، ما يجعلها أكثر عرضة للضغط والتهجير التدريجي. فضلا عن أن هذه الطرق لم تُنشأ بشكل عشوائي، بل جاءت ضمن تصور أمني وإطار استيطاني يهدف إلى إعادة تنظيم المجال الجغرافي في الضفة الغربية. حسب تصريحات الخبير في الشأن الإسرائيلي وليد حباس لوكالة شهاب.
المشهد الاستيطاني في الضفة – حسب حباس – يتجه نحو مزيد من التصعيد، مع استمرار الاستيلاء على أراضٍ فلسطينية جديدة وتضييق الحيز المتاح للحركة، إلى جانب زيادة اعتداءات المستوطنين واقتحاماتهم للقرى، في سياق يحظى بدعم حكومي وعسكري. طبيعة التوازن.
الخبير في الشأن الإسرائيلي يشير إلى تقديرات “إسرائيلية” تفيد بأنه خلال نحو 15 عامًا قد يصل عدد المستوطنين في الضفة الغربية إلى مليون مقابل نحو 4.5 مليون فلسطيني، وهو ما من شأنه – وفق التحليل الذي يقدمه – أن يغيّر طبيعة التوازن السكاني في المنطقة ويجعل التعايش داخل نفس الحيز الجغرافي أكثر تعقيدًا.
انتهاكات يومية ممنهجة ضد الوجود الفلسطيني
ويضيف أن استمرار هذا المسار دون تغيير سياسي أو حماية للوجود الفلسطيني قد يدفع نحو مزيد من الضغوط التي قد تنتهي، في أسوأ السيناريوهات، بعمليات تهجير. وفي سياق متصل، يشير حباس إلى أن المنطقة “ج” باتت، وفق تقديره، ضمن مسار واضح نحو الضم الفعلي، وهي التي تضم أكثر من 300 ألف فلسطيني. ويستحضر في هذا الإطار السياق التاريخي لمرحلة النكبة، معتبراً أن مقاربات التعامل مع السكان في هذه المناطق ما زالت تتأثر بذاكرة إدارة السكان والحيز في التجربة “الإسرائيلية” الأولى، وأن استمرار الوضع القائم قد يقود إلى إعادة إنتاج أنماط تهجير تدريجية.
“حباس” يشير إلى أن هذه البنية الاستيطانية أصبحت تنتج واقعًا يصعب فيه استمرار وجود فلسطيني و”إسرائيلي” في نفس الحيز الجغرافي داخل الضفة الغربية، وهو ما أسهم في بروز تشكيلات للمستوطنين داخل المستوطنات، مثل “لجان الإنذار” وفرق الحماية وفرق الأثر، إضافة إلى مجموعات شبابية تُعرف باسم “شبيبة التلال”، جميعها تمارس انتهاكات يومية ممنهجة ضد الوجود الفلسطيني، وتحظى بدعم حكومي وعسكري من قبل جيش الاحتلال.
ويكشف أن المستوطنين باتوا يمتلكون أدوات تقنية وميدانية متقدمة، بما في ذلك استخدام الطائرات المسيّرة وتطبيقات للتعرف على الوجوه، ما يعزز من قدرتهم على الانتهاك والمراقبة في محيط القرى الفلسطينية، مما يفاقم من معاناة سكان القرى الفلسطينية.
زيادة وتيرة الاعتداءات
الخبير في الشأن الإسرائيلي، أشار إلى أن هذا الواقع يعزز شعورًا لدى المستوطنين بالقدرة على التحرك والاقتحام، ما ينعكس في زيادة وتيرة الاعتداءات، بما يشمل الهجمات على القرى وإغلاق الطرق وعمليات سرقة المواشي، إلى جانب محاولات خلق بيئة طاردة للسكان الفلسطينيين.
وتكشف المعطيات التاريخية أن الاستيطان في الضفة الغربية بدأ بعد عام 1967، ليصل اليوم إلى نحو 550 ألف مستوطن، موزعين على مئات المستوطنات والبؤر الاستيطانية والمزارع، إلى جانب 35 منطقة صناعية وشبكة طرق واسعة تربط هذه التجمعات.




