رغم القصف والحصار والانقطاع المتكرر للكهرباء في غزة، حققت صبا رباح، وهي طالبة في المرحلة الثانوية تبلغ من العمر 18 عاماً، معدلاً قدره 99.9%، لتحتل بذلك المركز الأول على مستوى البلاد في الفرع العلمي لامتحان شهادة الثانوية العامة المعروف في غزة باسم “التوجيهي”.
هذا الرقم وحده يكفي ليكون خبراً، لكن القصة التي تقف خلفه تجعله استثناءً من نوع آخر، ففي قطاع تعرض لسنوات من الحروب المتتالية، حيث تحولت المدارس إلى مراكز إيواء وتحولت قاعات الامتحان إلى غرف بلا شبابيك، يبدو أن التفوق لم يعد مجرد درجات، بل إعلان عن إرادة لم تنكسر.
ومن الواضح أن ما حققته صبا لا يقاس بالمعدل فقط، بل بالظروف التي أنجزت فيها هذا الإنجاز، فخلال شهور التحضير للامتحان كانت غزة تعيش بين هدنة وهجوم، وبين انقطاع للإنترنت وساعات دراسة على ضوء الشموع.
وربما كان من الأسهل للكثيرين أن يستسلموا أو يؤجلوا الحلم، إلا أن “صبا” اختارت أن تدرس الكيمياء والفيزياء والرياضيات، بينما كانت أصوات الطائرات ترسم خرائط الخوف فوق رأسها، وهكذا تحولت غرفتها الصغيرة إلى فصل دراسي، وتحولت معاناة الحصار إلى دافع إضافي للإثبات.
ويبدو أن قصة صبا ليست فردية بقدر ما هي مرآة لقطاع بأكمله، فمنذ سنوات كان يقال عن غزة إنها “معجزة تعليمية” في الشرق الأوسط، معدلات التسرب كانت الأقل، والجامعات كانت تخرج أطباء ومهندسين رغم شح الإمكانات.
وأيضا، كان من الممكن أن تشكل قطاع غزة نموذجاً يحتذى به في مجال التعليم في الشرق الأوسط، إلا أن الحروب حالت دون تمكن العديد من الشباب من تحقيق التميز، فكل حرب كانت تمسح سنة دراسية، وكل إغلاق كان يسرق فصلاً كاملاً من عمر الطلاب، لكن رغم ذلك بقيت الرغبة في التعلم حية.
ويبدو أن التفوق في “التوجيهي” في غزة يحمل وزناً مضاعفاً، فهو ليس شهادة عبور إلى الجامعة فقط، بل هو شهادة بقاء، فالطالب الذي ينجح يكون قد نجح مرتين: مرة في مواجهة المنهج، ومرة في مواجهة واقعه، أما صبا فلم تدرس فقط لتحصل على علامة، بل درست لتثبت أن العقل لا يمكن قصفه، وأن القلم قد يكون أقوى من الصاروخ إذا وجد من يحمله بإصرار، وربما لهذا السبب تحول اسمها خلال ساعات إلى حديث الشارع الغزي كله.
ويطرح النجاح الذي حققته، سؤالاً أكبر عن مستقبل التعليم في القطاع، فمثلا: ما الذي كان يمكن أن يحدث لو توفرت لهؤلاء الطلاب مختبرات وجامعات بلا حصار ومنح دراسية بلا قيود؟، وكم “صبا” أخرى ضاعت لأن الحرب قطعت طريقها قبل الامتحان؟..
الصورة التي خرجت بها صبا وهي تحمل شهادتها بين الأنقاض تشبه رسالة: أعطونا فرصة وسنبني وطناً بالكامل من المعادلات والنظريات.
كما أن إنجاز صبا يعيد فتح الحديث عن دور الأسرة والمدرسة في زمن الحرب، فوالدة صبا تقول إن ابنتها كانت تذاكر حتى الفجر، وأحياناً كانت تحفظ الدروس بصوت منخفض حتى لا توقظ إخوتها الخائفين، أما المعلمون بدورهم فكانوا يرسلون الملخصات عبر الواتساب عندما يتوفر النت، ويجمعون الطلاب في أي زاوية آمنة للمراجعة، وربما يكون هذا التكاتف المجتمعي هو السر الحقيقي وراء استمرار التعليم رغم كل شيء، فالتعليم في غزة لم يعد مسؤولية وزارة فقط، بل صار مشروع شعب بأكمله.
ولا يقتصر تأثير هذا التفوق على البيت والمدرسة فقط، بل يمتد إلى المجتمع بأكمله، فخبر حصول فتاة على المركز الأول بنسبة 99.9% في ظل هذه الظروف يمنح آلاف الطلاب أملاً جديداً، حيث يمنحهم دليلاً عملياً على أن المستقبل ممكن، وأن الشهادة ليست ورقة، بل سلاح، وربما يسهم هذا في تغيير الصورة النمطية عن غزة في الخارج، من كونها مجرد أرقام ضحايا إلى كونها مصنع عقول، فكل معدل عالٍ هنا هو رد على كل محاولات التهميش.
كما تبدو قصة صبا عاملاً مهماً في إعادة الاعتبار لقيمة العلم في زمن الأزمات، ففي مجتمعات كثيرة يهرب الشباب من الدراسة نحو أي فرصة عمل سريعة، لكن في غزة يبدو أن التعليم هو طريق النجاة الوحي، فالطب والهندسة والصيدلة ليست خيارات رفاهية، بل هي أدوات لإعادة بناء ما تهدم، وربما يسهم تفوق صبا في تشجيع فتيات أخريات على اختيار التخصصات العلمية الصعبة، وإثبات أن المرأة الغزية قادرة على أن تكون الأولى حتى في أصعب الظروف.
وفي الوقت ذاته، تبدو الحاجة قائمة إلى وجود ترتيبات تحمي هذا التفوق ولا تتركه يضيع، فماذا بعد التوجيهي؟ هل ستجد صبا منحة تخرجها من الحصار؟ هل ستجد جامعة توفر لها مختبراً تتدرب فيه؟.. هل سيتم احتضان هذه الكفاءات أم ستسافر لتكمل خارجاً ولا تعود؟.
بالتأكيد، الاحتفاء بالناجحين لا يكفي، فالمرحلة التالية تحتاج إلى استثمار حقي في هؤلاء المتفوقين وتحويلهم إلى ركيزة في مشروع إعادة الإعمار الفكري والعلمي للقطاع، كما أن نجاح “صبا” قد يشجع على إطلاق برامج دعم نفسي وتعليمي موازية داخل المدارس، تستهدف الطلاب الذين عاشوا الحرب وتأثروا بها، فالصدمة لا تقاس بالدرجات، وربما يحتاج الكثيرون إلى من يخبرهم أن الخوف لا يلغي الحلم، وربما أيضا تساعد مثل هذه النماذج في الحفاظ على الكفاءات الوطنية، من خلال ربطهم بمؤسسات محلية ودولية تتبنى مشاريعهم وتمنحهم مساحة للنمو، وهو ما يمكن أن ينعكس لاحقاً على جهود التنمية وبناء الإنسان في غزة.
وفي النهاية، قد تمثل قصة صبا رباح أكثر من مجرد خبر نجاح، إذ تبدو فرصة لإعادة تعريف معنى الصمود، وخفض منسوب اليأس، وتحسين صورة جيل كامل عاش تحت القصف واختار أن يدرس، وقد تكون 99.9% رقماً، لكنها في غزة تعني بداية جديدة نحو مستقبل أكثر أملًا، فطالما أن هناك طالبة تذاكر على ضوء شمعة وتحلم بمختبر، فبالتأكيد هذا القطاع لن يموت، كما أن التعليم سيبقى هو السلاح الذي لا تصادره أي حرب.
أمينة خليفة





