في مساء شتوي بارد من كانون الثاني/ يناير 2024، تحوّلت مكالمة قصيرة من طفلة صغيرة في غزة إلى واحدة من أعمق الشهادات الإنسانية في زمن الحرب. هند رجب، ذات الخمس سنوات، اتصلت بالهلال الأحمر الفلسطيني بعد أن فقدت عائلتها في لحظة واحدة، حين مزّقت رصاصات الاحتلال مركبتهم في حي تل الهوى. كان صوتها المرتجف يصل إلى الطرف الآخر من الخط حيث جلست رنا الفقيه وعمر علقم، عاملان في المجال الإنساني، يحاولان التخفيف من خوفها وبث الأمل في قلبها الصغير، رغم أنهما كانا يعلمان أن الموت يحيط بها من كل جانب.
جثمان هند بجوار أفراد عائلتها
لساعات، حاولت رنا أن تبقى مع هند كأم بديلة، تطمئنها، تلعب معها لعبة “الغميضة” حتى لا تخاف من الظلام، وتطلب منها قراءة الفاتحة لتستمد قوة من الدعاء. في كل لحظة، كان صوت الطفلة يزداد ضعفًا، والرصاص يقترب أكثر فأكثر، حتى انقطع الخط. لم يكن أحد يتخيل أن هذا الاتصال، الأطول في تاريخ جمعية الهلال الأحمر، سيصبح لاحقًا شاهدًا على مأساة لم يعرف لها العالم مثيلًا.
اثنا عشر يومًا مرّت ثقيلة قبل أن يُعثر على جثمان هند بجوار أفراد عائلتها الذين استشهدوا معها. لم تكن وحدها؛ فقد قُصف أيضًا المسعفان أحمد المدهون ويوسف زينو اللذان هرعا لإنقاذها. 335 طلقة اخترقت جسد المركبة، وكأن الاحتلال كان يصرّ على إسكات صوت الطفلة إلى الأبد. لكن صوت هند لم يمت؛ بقي حاضرًا عبر تسجيلات مكالمتها، وعبر قلوب من سمعوها، وعبر فيلم المخرجة التونسية كوثر بن هنية “صوت هند رجب”، الذي نجح في أن يحمل صرختها إلى مهرجان البندقية السينمائي، حيث وقفت الإنسانية كلها لتصفّق لها لأكثر من عشرين دقيقة.
حزن وفخر
لم تكن هند استثناءً؛ هي واحدة من عشرات آلاف الأطفال الذين فقدوا حياتهم في غزة منذ بداية الحرب. أكثر من 20 ألف طفل ارتقوا، بعضهم تحت الركام، وآخرون برصاص وقذائف، جميعهم بلا ذنب سوى أنهم وُلدوا في أرض محاصرة. القصة التي جسدتها مكالمة هند هي صورة مكثفة لمعاناة جيل كامل يُقتل أمام أنظار العالم.
بالنسبة لرنا الفقيه، لم تنتهِ القصة عند انقطاع الخط. تقول: “هند ما زالت معي، صوتها يطاردني كل ليلة. لم أكن فقط التي كانت معها… بل هي التي بقيت داخلي”. أما عمر علقم، فيرى أن الحزن والفخر امتزجا في قلبه حين شاهد الفيلم؛ فخر لأن صوتها وصل إلى العالم، وحزن لأنها رحلت مبكرًا جدًا.
معاناة أطفال غزة
قصة هند ليست مجرد مأساة فردية؛ إنها مرآة لمعاناة كل أطفال غزة الذين يحلمون بليلة هادئة دون قصف، وبأب وأم يعودان سالمين من السوق أو من المدرسة، وبغد لا يخطفهم فيه الموت فجأة. لكن وسط هذا الألم، يظل صوتها رسالة تتحدى الصمت: الأطفال الفلسطينيون ليسوا أرقامًا في قوائم الشهداء، بل أرواح صغيرة تحلم بالحياة، تستحق أن تُسمع وأن تُحمى.
إن قصة هند رجب ستظل وصمة في جبين الإنسانية التي لم تتحرك لحمايتها، لكنها أيضًا صرخة أمل بأن أصوات الأطفال، مهما حاول الرصاص إسكاتها، ستظل تعبر الحدود وتوقظ الضمائر. فهي لم تكن طفلة عابرة، بل رمزًا لطفولة كاملة تُباد، وشاهدة على أن الحياة رغم كل القسوة يمكن أن تُختصر في صوت صغير يستنجد: “بالأمانة تعالوا خذوني”.






