لم تعد أزمة المياه في قطاع غزة مجرد انعكاس لانهيار البنية التحتية بفعل الحرب والحصار، بل تحولت إلى تهديد مباشر لصحة وحياة مئات آلاف النازحين الذين يكافحون يوميًا للحصول على مياه صالحة للشرب، وفي ظل تراجع قدرات محطات التحلية، ونقص مستلزمات التنقية، وازدياد الاعتماد على مصادر مياه غير مضمونة، تتصاعد المخاوف من انتشار الأمراض بين السكان، خصوصًا داخل مخيمات النزوح المكتظة. وبين العطش ومخاطر التلوث، يجد الغزيون أنفسهم أمام معركة جديدة من أجل البقاء، حيث أصبح الحصول على كوب ماء آمن تحديًا لا يقل قسوة عن بقية تداعيات الحرب المستمرة.
ربا: نشرب مياه ملوثة ولا نمتلك المال لشراء المياه
في قطاع يرزح تحت وطأة الحرب والحصار، لم يعد الماء مجرد حاجة يومية، بل تحول إلى قضية بقاء بالنسبة لمئات آلاف النازحين. وبين البحث عن جرعة ماء تروي العطش والخوف من الأمراض التي قد تحملها، يعيش سكان غزة فصلاً جديداً من المعاناة الإنسانية، حيث باتت أبسط مقومات الحياة جزءاً من معركة يومية لا تنتهي.
تروي ربا رشيد 23 عاماً، وهي أم نازحة، قصة مشابهة عاشها أطفالها “شرب أطفالي من المياه التي وُزعت مجاناً على النازحين، وفي ساعات الليل ارتفعت حرارتهم وأصيبوا بمغص شديد. لم أكن أعلم أن السبب هو المياه حتى أخبرني الصيدلي بذلك. تلقى أطفالي علاجاً للمعدة والأمعاء، وبعد يومين بدأت حالتهم تتحسن، لكن الخوف ما زال يرافقنا في كل مرة نحصل فيها على المياه. وتشير إلى أن آلاف العائلات النازحة لا تملك خيار شراء المياه بسبب الفقر وفقدان مصادر الدخل، ما يجعلها تعتمد على أي مصدر متاح مهما كانت جودته”.
في خيام النزوح المنتشرة في مدينة غزة ومختلف مناطق القطاع، بات الحصول على كوب ماء آمن تحدياً يومياً يثقل كاهل المواطنين الذين يواجهون خطر الأمراض إلى جانب شبح الجوع والحصار. وبينما يبحث النازحون عن أي مصدر يروي عطشهم، تتحول المياه في كثير من الأحيان إلى مصدر جديد للمرض والمعاناة. حسب وكالة وفا.
أعراض غريبة بعد شرب المياه
على باب خيمته في شارع اليرموك وسط مدينة غزة، يستعيد أمين الكجك 45 عاماً تفاصيل أيام قاسية عاشها بعد حصوله وعشرات النازحين على مياه للشرب وزعتها إحدى الشاحنات داخل المخيم “وصلت شاحنة مياه إلى المكان واستفاد منها معظم النازحين. بعد ساعات فقط بدأت تظهر أعراض غريبة على كثيرين، من بينهم أنا، وتبين لاحقاً أن المياه كانت ملوثة وغير صالحة للشرب”.
ويضيف: “عانيت مغصاً كلوياً شديداً وإسهالاً وقيئاً، وعندما توجهت إلى النقطة الطبية أخبرني العاملون هناك أن الأعراض مرتبطة بالمياه التي شربناها. استمرت معاناتي ثلاثة أيام كاملة قبل أن تتحسن حالتي”. ومنذ ذلك الحين، اضطر أمين إلى شراء المياه من محطات تحلية معروفة رغم ضيق الحال، خشية تكرار التجربة ذاتها.
قطاع المياه يواجه أزمة معقدة منذ اندلاع الحرب، نتيجة النقص الحاد في المواد اللازمة لتشغيل وصيانة محطات التحلية، فضلا عن أن عملية التحلية تعتمد على فلاتر وأغشية خاصة مسؤولة عن تنقية المياه من الشوائب والأملاح، إلا أن هذه المواد لم تعد متوفرة بالقدر الكافي، ما يضع المحطات أمام تحديات كبيرة للحفاظ على جودة المياه المنتجة. حسب صاحب إحدى محطات تحلية المياه في غزة، معتصم الفيومي.
تدهور منظومة المياه يهدد بزيادة انتشار الأمراض
بعض الجهات الممولة أو المزودة للمياه – حسب الفيومي – تبحث أحياناً عن أقل التكاليف، الأمر الذي قد ينعكس على جودة المياه المقدمة للمواطنين، ويزيد احتمالات تلوثها بالشوائب أو الميكروبات، محذرًا من أن الأطفال وكبار السن ومرضى الكلى هم الأكثر عرضة لمضاعفات المياه غير المطابقة للمواصفات الصحية، مشيراً إلى أن المراكز الصحية والمستشفيات تستقبل بشكل متكرر حالات تعاني من المغص الكلوي والإسهال ومشكلات الجهاز الهضمي.
وفي السياق ذاته، يؤكد الصيدلي الدكتور خالد عودة أن سكان الخيام ومراكز النزوح يعانون بصورة متزايدة من أمراض مرتبطة بالجهاز البولي والهضمي، في ظل تراجع جودة المياه المتاحة وارتفاع نسب التلوث، مشيرًا إلى أن تلوث المياه الجوفية بمياه الصرف الصحي ومياه البحر كان يمثل تحدياً صحياً قائماً حتى قبل الحرب، إلا أن انهيار أجزاء واسعة من البنية التحتية المائية والبيئية والصحية خلال الأشهر الماضية فاقم من حجم الأزمة ومخاطرها.
ويضيف أن استمرار تدهور منظومة المياه والصرف الصحي يهدد بزيادة انتشار الأمراض، خاصة في ظل الاكتظاظ الكبير داخل مخيمات النزوح، وضعف الإمكانات الطبية، وصعوبة الحصول على مياه شرب آمنة بشكل منتظم.




