في قلب قطاع غزة المحاصر، تتسلل أزمة جديدة صامتة لا ترى بالعين المجردة، لكنها تفتك بالأجساد يومًا بعد يوم، فبينما يعاني السكان من نقص حاد في الغذاء بفعل الحصار والحرب، بدأت «بدائل غذائية» مجهولة المصدر تنتشر في الأسواق لتسد فراغ الجوع لكنها في الحقيقة تدخل خطرًا صحيًا صادمًا إلى البطون الخاوية.
منذ أشهر، أصبحت هذه المواد الصناعية وسيلة شبه وحيدة لتحلية الطعام والشراب بعد ارتفاع أسعار السكر الطبيعي إلى مستويات فلكية وغيابه، لكن المشكلة لا تقف عند حدود السعر أو اختفاء هذه السلعة، بل تمتد إلى مكونات تلك البدائل التي لا تخضع لأي رقابة صحية أو مختبرات فحص.
وفي الأسواق الشعبية يمكن أن تجد هذه المواد تُباع في أكياس بلاستيكية شفافة بلا تاريخ صلاحية بلا اسم شركة، وأحيانًا بلا اسم المنتج نفسه، والسكان، بدافع الحاجة، يقبلون على شرائها لتأمين الحد الأدنى من «الطعم الحلو» وسط شح المواد الأساسية، ومع الوقت، بدأت تظهر أعراض صحية مقلقة على كثير من العائلات، لتتحول الأزمة من جوع إلى تسمم بطيء.
«سكر اللوز».. الاسم جذاب والمحتوى خطر
اسم المنتج الأكثر انتشارًا هو «سكر لوز» أو «سكرالوز»، ما يوحي بأنه مستخرج من اللوز أو طبيعي المنشأ، لكنه في الحقيقة مادة صناعية محلاة أكثر حلاوة بـ 600 مرة من السكر العادي، وتُستخدم هذه المادة عالميًا بجرعات دقيقة في الصناعات الغذائية، لكن في غزة تُباع عشوائيًا دون معايير، فمصدرها الأساسي كان مصانع العصائر والحلويات، قبل أن تتحول إلى سلعة مباشرة للمستهلكين بعد انقطاع السكر الطبيعي.
أما تركيبها الكيميائي فيقوم على استبدال ذرات هيدروكسيل بذرات كلور، ما يجعل الجسم غير قادر على امتصاصها بالكامل، والنتيجة أن نسبة كبيرة منها تبقى في الجهاز الهضمي أو تُطرح بشكل غير منتظم، مسببة اضطرابات هضمية وتسممًا بطيئًا.
قصص من الميدان.. حلاوة بطعم الألم
يوسف سلطان، رب أسرة من شمال غزة، يروي كيف ظهرت على أطفاله أعراض مفاجئة كمغص شديد، صداع مستمر، غثيان، وتعرق غير مفسر، وبعد التوقف عن استخدام «السكرالوز» اختفت الأعراض تدريجيًا، كما تحدثت عائلات أخرى عن مشكلات هضمية متكررة وارتفاع مفاجئ في سكر الدم رغم عدم وجود تاريخ مرضي، وهذه الحالات ليست معزولة بل تكررت في مناطق مختلفة، ما جعل بعض الأطباء يربطونها مباشرة بانتشار هذه البدائل.
ورغم التحذيرات، فلا تزال المواد تُباع بحرية، فالحاجة أقوى من الخوف، والبدائل الأخرى شبه معدومة، ففي بعض الأسواق، يتباهى الباعة بأن «جرامًا واحدًا يكفي لتحلية 5 لترات من الماء»، في دعاية مضللة لا تستند إلى أي أساس علمي.
معاناة «مريم» من رفح
مريم أبو شبرة، أم لخمسة أطفال من مدينة رفح جنوبي غزة، لم تكن تتوقع أن عبوات التحلية الرخيصة التي اشترتها ستكون سببًا في أزمة صحية داخل بيتها، فتقول مريم: «في البداية فرحت إني لقيت بديل للسكر وبدأت أستخدمه في العصائر والشاي يوميًا»، لكن بعد أسبوعين فقط، بدأت تلاحظ أن أطفالها يعانون من آلام متكررة في المعدة، مع فقدان شهية واضح وشحوب في الوجه، فلم تربط الأمر بالمُحلّي في البداية، وظنت أن السبب مجرد برد موسمي أو طعام فاسد.
لكن ما أثار قلقها أن الأعراض كانت تظهر فور تناول أي مشروب مُحلّى بتلك المادة، وتختفي تدريجيًا حين يتوقف الأطفال عن شربه، فحاولت «مريم» تقليل الكمية لكنها لاحظت أن المشكلة لا تزال قائمة، بل ازدادت سوءًا مع ظهور طفح جلدي خفيف لدى أصغر أطفالها، فعند مراجعتها للطبيب، نصحها فورًا بإيقاف استخدام هذه المواد، مشيرًا إلى أنها غير خاضعة لأي رقابة صحية حقيقية داخل الأسواق المحلية.
تقول مريم بأسى: «كنت أوفر لكنني أُعرض أطفالي لخطر دون أن أعرف»، وتضيف أنها تفاجأت بكم العائلات التي تمر بنفس التجربة، لكن معظمهم لا يملكون بدائل عملية بسبب ندرة السكر الطبيعي وارتفاع ثمنه، فالبعض حاول العودة لاستخدام العسل، لكن الكميات المتاحة لا تكفي، ما يضع الأسر بين خيارين أحلاهما مُر: إما استخدام مواد مشكوك في أمانها أو حرمان الأطفال من أي تحلية.
حكاية «سامي» من بيت لاهيا
سامي الحلو، من بيت لاهيا شمال القطاع، اعتاد هو وزوجته على شرب الشاي لكن مع نقص السكر وارتفاع أسعاره، قرر تجربة المحليات الصناعية المنتشرة مؤخرًا، ففي البداية، كان الأمر مريحًا من الناحية المادية، فالقليل منها يعطي مذاقًا حلوًا قويًا، لكن بعد فترة قصيرة بدأت تظهر عليه أعراض غريبة مثل خفقان القلب، وشعور متكرر بالدوار، ونوبات صداع مفاجئة لا تزول بالمسكنات.
لم يكن سامي يعاني من أي مشاكل صحية سابقة، ما جعله يتساءل عن السبب الحقيقي وراء هذه التغيرات، لكنه اكتشف أن بعض هذه المواد تؤثر على الجهاز العصبي والهضمي، وقد ترفع مستويات السكر في الدم بشكل غير متوقع، خاصة عند الاستخدام المفرط.
تحذير من المُحليات الصناعية
وتعقيبًا على ذلك، حذرت د. ليلى أبو شمالة، أخصائية تغذية سريرية، من أن الإفراط في استخدام المُحلّيات الصناعية دون رقابة يؤدي إلى خلل في بكتيريا الأمعاء النافعة، ما يُضعف الجهاز المناعي تدريجيًا، وتشير إلى أن الظروف في غزة تجعل السكان أكثر عرضة للتأثر بهذه المواد لأن أجسامهم تعاني من سوء تغذية مزمن، فلا تقاوم السموم بسهولة.
وتؤكد أن هذه المواد ليست خطيرة فقط لأنها صناعية، بل لأن طرق تخزينها ونقلها عشوائية جدًا، وتدعو إلى إدخال بدائل طبيعية مدعومة ضمن المساعدات.
أما د. حسام العالول، الباحث في الصحة العامة، فيرى أن انتشار هذه المواد يعكس انهيارًا شاملًا في منظومة الأمن الغذائي في القطاع، مؤكدًا أن إدخال بدائل مجهولة المصدر هو نتيجة مباشرة للحصار الذي يمنع دخول السلع الأساسية، ما يفتح الباب لتهريب أو تصنيع منتجات غير مطابقة للمواصفات.
كما يلفت إلى أن الرقابة الصحية تكاد تكون مشلولة بفعل الحرب، مما يجعل السوق مفتوحًا على مصراعيه لأي مادة مهما كانت خطورتها، ويعتبر أن الوضع الحالي ينذر بأزمة صحية طويلة المدى تتجاوز المجاعة.
وشرح د. مروان أبو ريالة، أستاذ الكيمياء الحيوية مخاطر هذا الوضع، قائلًا: إن السكرالوز يُصنع بعملية «الكلورة الانتقائية»، وهي تقنية دقيقة لا يمكن مراقبتها في السوق العشوائي، ويحذر من أن بقايا الكلور في المنتج النهائي، إن لم تُعالج جيدًا، قد تسبب أضرارًا للكبد والكلى مع الاستخدام المتكرر.
ويضيف أن درجة النقاء في المنتجات المنتشرة حاليًا غير معروفة، ما يعني أن المستهلكين قد يتناولون موادًا ملوثة دون علمهم، بل يؤكد أن هذا النوع من المخاطر الكيميائية لا يظهر سريعًا، بل يتراكم مع الوقت.
فيما أشارت د. ريم المصري، استشارية أمراض الجهاز الهضمي، إلى أن مرضى القولون والجهاز الهضمي هم الأكثر تضررًا، إذ تعزز هذه المواد الانتفاخ والغازات وتزيد من التهابات الأمعاء، وتوضح أن البدائل الصناعية لا تهضم بشكل طبيعي، مما يؤدي إلى اضطرابات مزمنة في الهضم.
وتضيف أن بعض الحالات التي وصلت للمستشفيات كانت لأطفال يعانون من جفاف شديد بسبب الإسهال الناتج عن هذه المواد، وتؤكد أن المشكلة لا تُحل بمجرد التوقف عن الاستهلاك، لأن الضرر قد يستمر أسابيع.
كما ربط د. أحمد شرف، خبير سياسات غذائية، بين الأزمة الغذائية الحالية وبين غياب سياسة واضحة لإدارة الموارد الغذائية في غزة خلال الحصار، قائلًا: إن ترك السوق دون تدخل حكومي أو أممي سمح بتحول مواد صناعية مخصصة للصناعة إلى غذاء للفقراء.
ويضيف أن الخطر الحقيقي ليس فقط صحيًا، بل اجتماعيًا أيضًا، لأن الفقراء وحدهم هم من يضطرون لاستخدام هذه البدائل، ويقترح أن تُدرج هذه الأزمة ضمن أولويات المساعدات الدولية العاجلة، وليس فقط كتفصيل غذائي ثانوي.
وفي ظل استمرار دخول هذه البدائل إلى الأسواق إما عبر طرق غير نظامية، بعضها يأتي ضمن شحنات مساعدات يتم تهريبها لاحقًا، وبعضها يُستورد بطرق غير قانونية، وفي ظل القصف وانهيار المنظومة الرقابية، لا تملك وزارة الصحة القدرة على مراقبة كل الأسواق أو فحص كل منتج. وحتى حين تتم المصادرة، يكون كثير من المواد قد وصل بالفعل إلى بطون الناس، وتجعل هذه الفوضى الرقابية تتبع مصدر أي حالة تسمم أو ضرر صحي بشكل دقيق صعبًا لتكون النتيجة أزمة غذاء تحولت إلى أزمة صحة عامة، لا تُرى لكنها تتعمق يومًا بعد يوم.






