بعد عامين من الدمار غير المسبوق، يبدأ الأمل في التسلل مجددًا إلى شوارع غزة التي أنهكتها الحرب، ولكنها لم تفقد نبض الحياة. من بين الركام، تعود الحركة شيئًا فشيئًا إلى الأسواق والمستشفيات المؤقتة، فيما تتصاعد الدعوات الدولية لفتح صفحة جديدة عنوانها “إعادة البناء بدل الإغاثة”.
وفي تحول لافت في الخطاب الدولي، أعلنت ألمانيا، بالتنسيق مع مصر، عن تنظيم مؤتمر دولي لإعادة إعمار القطاع، خطوة تُعد الأولى من نوعها منذ بدء الحرب الأخيرة، وتُقرأ – وفق محللين – كإشارة إلى تحوّلٍ في نظرة المجتمع الدولي لغزة: من منطقة منكوبة تُغاث إلى كيانٍ يستحق الاستثمار والتنمية.
التحرك الألماني، كما يرى الخبراء، يعكس إدراكًا متزايدًا لدى العواصم الأوروبية بأن الاستقرار في غزة لن يتحقق بالمساعدات العاجلة وحدها، بل بإطلاق مسار تنموي طويل المدى يضمن حياة كريمة للسكان ويعيد الثقة في مؤسسات الدولة الفلسطينية.
ويُتوقع أن يشكل المؤتمر المزمع عقده في القاهرة نقطة انطلاق لتنسيق الجهود بين الجهات المانحة والدول العربية والمنظمات الدولية، تمهيدًا لإرساء رؤية موحدة لإعادة الإعمار على أسس اقتصادية وتنموية لا سياسية فحسب.
خلفيات التحرك الألماني: ما وراء المؤتمر
لا يمكن قراءة المبادرة الألمانية بمعزل عن التحولات الجيوسياسية في شرق المتوسط، حيث تسعى برلين إلى استعادة دور فاعل في ملفات الشرق الأوسط بعد سنوات من الحذر الدبلوماسي. فالحرب على غزة وضعت أوروبا أمام اختبار مزدوج: أخلاقي وإنساني من جهة، واستراتيجي من جهة أخرى.
وبحسب تقارير صادرة عن معهد “SWP” للدراسات الأمنية والدولية في برلين، فإن ألمانيا تحاول من خلال هذا المؤتمر ترسيخ موقعها كوسيط تنموي لا سياسي، أي كقوة أوروبية توازن بين دعمها التقليدي لإسرائيل وبين التزاماتها الإنسانية تجاه الفلسطينيين.
ويرى مراقبون أن التقارب الألماني – المصري في هذا الملف يعكس أيضًا رغبة أوروبية في الاستفادة من الخبرة المصرية في إدارة المساعدات الإنسانية وضبط المعابر، مع إبقاء التنسيق مفتوحًا مع واشنطن التي تتابع خطوات الإعمار كجزء من ترتيبات ما بعد الحرب.
بهذا المعنى، فإن المؤتمر الدولي المرتقب ليس مجرد اجتماع مانحين، بل مؤشر سياسي على دخول أوروبا مجددًا إلى قلب المعادلة الشرق أوسطية، بعد أن غابت نسبيًا منذ اندلاع الحرب الأوكرانية وانشغالها بملفات الطاقة والدفاع.
خطة أوروبية طموحة بثلاث مراحل
وفي السياق ذاته، أعلن الاتحاد الأوروبي عن إطلاق خطة دعم تمتد لثلاث سنوات بقيمة 5 مليارات يورو، اعتبرها مسؤولون أوروبيون “أكبر التزام إنساني وتنموي منذ الحرب الأوكرانية”.
ووفقًا لصحيفة نيغوثيوس الإسبانية، سيتم تخصيص نحو ملياري يورو للمرحلة الأولى، التي تركز على البنية التحتية الحيوية — الكهرباء، المياه، الصرف الصحي، والمستشفيات — على أن تبدأ أعمال الترميم فعليًا في الربع الأول من عام 2026.
وتُعد هذه المرحلة بمثابة حجر الأساس نحو تحوّل شامل في ملامح القطاع، إذ يُنتظر أن تولّد آلاف فرص العمل، وتعيد تشغيل عشرات الورش المحلية والمقاولين الفلسطينيين تحت إشراف مؤسسات دولية.
تضامن آسيوي يتجدد
في موازاة الحراك الأوروبي، برزت إندونيسيا كأول دولة آسيوية تُعلن رسميًا استعدادها للمشاركة في جهود إعادة إعمار غزة.
ففي بيانٍ صادر عن وزارة الخارجية الإندونيسية بتاريخ 9 أكتوبر 2025، أكدت جاكرتا أن “المساهمة الإندونيسية ستكون رمزية في معناها، لكنها إنسانية في جوهرها”، مشيرة إلى أنها تستعد لإرسال فرق هندسية وطبية للمساعدة في بناء المساكن والمنشآت التعليمية المدمّرة، بالتنسيق مع وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا) والحكومة المصرية.
ونقلت صحيفة Jakarta Post عن وزيرة الخارجية ريتنو مارسودي قولها إن “إعادة إعمار غزة ليست مهمة سياسية، بل مسؤولية إنسانية مشتركة على العالم أن يتحملها، وإندونيسيا ستكون جزءًا من هذا الجهد العالمي”، مضيفة أن بلادها تعمل أيضًا على تعبئة تبرعات شعبية ومؤسساتية عبر منظمات المجتمع المدني الإندونيسية ذات الخبرة في مناطق النزاع.
الاهتمام الإندونيسي، الذي ترافق مع عرض ماليزي للمساهمة في البنية الصحية بحسب وكالة Bernama الرسمية، يعكس عودة التضامن الآسيوي للقضية الفلسطينية بعد فترة من الانكفاء الداخلي الذي طبع سياسات دول جنوب شرق آسيا في العقد الأخير.
ويرى محللون في تصريحات لـرويترز أن هذه المشاركة تحمل أيضًا رسالة رمزية للغرب، مفادها أن “دعم الفلسطينيين لم يعد حكرًا على العالم العربي، بل أصبح التزامًا أخلاقيًا تتبناه قوى آسيوية صاعدة تسعى لترسيخ حضورها في القضايا الإنسانية الكبرى”.
دعم عربي يواكب الزخم الدولي
إلى جانب التحركات الآسيوية، يبرز الحضور العربي كلاعبٍ محوري في مشهد إعادة إعمار غزة، سواء عبر التمويل المباشر أو من خلال الوساطة السياسية.
فقد أكدت مصر، الشريك الرئيسي في المؤتمر الدولي المرتقب، التزامها بتخصيص آليات تنفيذ ومتابعة ميدانية لضمان شفافية المشاريع وإيصال الدعم إلى مستحقيه، مع إبقاء معبر رفح مفتوحًا لتسهيل دخول مواد البناء والمعدات الإنسانية. وأشارت تقارير لصحيفة الأهرام إلى أن القاهرة أعدّت “خطة ميدانية من أربع مراحل تشمل الإيواء، البنية التحتية، وإعادة تشغيل الخدمات الحيوية”.
أما قطر، التي تعد من أكبر الممولين العرب لإعمار غزة منذ عام 2012، فقد أعلنت عبر الهيئة القطرية لإعادة الإعمار عن نيتها استكمال المشاريع المتوقفة وإطلاق مبادرات إسكانية جديدة بقيمة تقارب 400 مليون دولار، وفق ما نقلته وكالة الأنباء القطرية (قنا).
وفي الوقت نفسه، أكدت المملكة العربية السعودية دعمها الكامل للمبادرات الدولية، حيث أوضح بيان صادر عن وزارة الخارجية السعودية – نقلته صحيفة الشرق الأوسط – أن الرياض تعمل بالتنسيق مع البنك الإسلامي للتنمية على إنشاء صندوق خاص لإعادة إعمار غزة بمساهمة عربية وإسلامية مشتركة.
ويرى محللون أن هذا التقاطع بين الدعم العربي والآسيوي والأوروبي يعيد رسم خريطة جديدة للتضامن مع فلسطين، قائمة على توزيع الأدوار وتكامل المبادرات بدلًا من التنافس أو التجزئة، ما يمنح مشروع الإعمار القادم بعدًا دوليًا متماسكًا غير مسبوق.
فاتورة الدمار: أرقام فلكية لإعادة الحياة
تُظهر أحدث التقديرات الأممية أن غزة تواجه واحدة من أكبر عمليات إعادة الإعمار في التاريخ الحديث، إذ تجاوزت كلفة الدمار ما يمكن أن تتحمله أي جهة مانحة منفردة.
فوفقًا لتقييم مشترك أصدرته الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي، تُقدَّر الاحتياجات اللازمة لإعادة إعمار القطاع بأكثر من 53 مليار دولار، منها 20 مليارًا خلال السنوات الثلاث الأولى فقط.
وفي تقرير منفصل، كتب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى الجمعية العامة أن “المبالغ الضرورية للنهوض وإعادة الإعمار على المدى القصير والمتوسط والبعيد في قطاع غزة تُقدر بنحو 53 مليارًا و142 مليون دولار، منها 20 مليارًا و568 مليونًا للأعوام الثلاثة الأولى”.
وفي المقابل، قدّرت مؤسسة راند البحثية الأميركية في دراسة حديثة الكلفة الإجمالية لإعادة إعمار القطاع بما يفوق 80 مليار دولار، موضحة أن إزالة الأنقاض وحدها ستتجاوز 700 مليون دولار.
ويرى اقتصاديون أن هذه الأرقام تمثل الحد الأدنى لما ستحتاجه غزة فعليًا، إذ يُتوقع أن ترتفع الكلفة الإجمالية إلى أكثر من 100 مليار دولار عند احتساب التعويضات وترميم الاقتصاد المحلي.
من سيموّل الفاتورة؟ نحو حملة عالمية تتجاوز الأرقام
مع تضخّم فاتورة الدمار إلى أكثر من 53 مليار دولار وفق التقديرات الأممية الأولية، يبرز سؤال محوري: من سيموّل إعادة إعمار غزة؟
الإجابة لم تعد حكرًا على الحكومات والمؤسسات الدولية، بل تتجه نحو جهد عالمي شامل يزاوج بين التمويل الرسمي والتعبئة الشعبية عبر حملات تبرع واسعة أطلقتها منظمات إنسانية في أكثر من 40 دولة.
فالاتحاد الأوروبي أعلن عن خطة دعم بقيمة 5 مليارات يورو تمتد لثلاث سنوات، فيما أكدت ألمانيا تقديم 29 مليون يورو إضافية كمساعدات عاجلة، إضافة إلى المؤتمر الدولي المشترك مع مصر الذي يُتوقع أن يشكّل منصة مركزية لجمع التمويلات الكبرى تحت إشراف الأمم المتحدة والبنك الدولي.
وفي المقابل، يعمل البنك الإسلامي للتنمية على إنشاء صندوق تمويلي مشترك للدول الإسلامية بالتعاون مع السعودية وقطر والكويت وماليزيا، على أن يُطلق رسميًا في النصف الأول من عام 2026، بقيمة أولية تناهز 10 مليارات دولار قابلة للزيادة عبر المساهمات الطوعية【البنك الإسلامي للتنمية – بيان صحفي، أكتوبر 2025】.
وفي هذا السياق، برزت الجزائر كأحد أكثر الداعمين العرب وضوحًا واستمرارية.
فمنذ الأسابيع الأولى للحرب، أعلنت وزارة الخارجية الجزائرية استعدادها للمشاركة الفعلية في إعادة إعمار غزة عبر مساهمة مالية حكومية ودعم هندسي وتقني تشرف عليه شركات وطنية جزائرية في قطاعي البناء والطاقة.
ونقلت صحيفة الشروق اليومي عن مصدر دبلوماسي أن الجزائر “تسعى لأن يكون دعمها عمليًا ومباشرًا داخل غزة، لا عبر وسطاء”، مؤكدًا أن القضية الفلسطينية بالنسبة للجزائر مبدأ سيادي لا ظرف سياسي.
كما كشفت تقارير لقناة الجزيرة أن الجزائر تقود مشاورات مع عدد من الدول الإفريقية لتوسيع المساهمة في صندوق تضامن إفريقي – آسيوي موجّه لغزة، في خطوة رمزية لإشراك الجنوب العالمي في إعادة الإعمار.
إلى جانب الجهود الحكومية، بدأت بالفعل حملة تبرعات عالمية غير مسبوقة يقودها ائتلاف منظمات دولية تحت إشراف مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) ومنصات إنسانية كـ GlobalGiving وIslamic Relief وUNRWA USA.
ووفقًا لتقرير نشرته صحيفة The Guardian البريطانية في 9 أكتوبر 2025، فإن هذه الحملة جمعت خلال أسبوعها الأول أكثر من 4.3 مليارات دولار من تبرعات الأفراد والمؤسسات الخاصة، في ما وُصف بأنه “أوسع حملة تضامن مدني في القرن الحادي والعشرين”.
ويقدّر الخبراء أن استمرار هذه الحملة على مدى عامٍ واحد يمكن أن يضاعف المبلغ المطلوب رسميًا لإعادة الإعمار، إذ تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن مساهمات القطاع الخاص والجمعيات الخيرية العالمية قد تتجاوز 60 مليار دولار إضافية إذا تم تنسيقها ضمن آلية شفافة ومحددة الأهداف【UN OCHA – Gaza Recovery Brief، أكتوبر 2025】.
وفي ضوء هذه التعبئة، يرى مراقبون أن التمويل لم يعد العقبة الأساسية بقدر ما أصبحت الإدارة والتنسيق هما التحدي الأكبر. فنجاح الإعمار لن يتوقف على حجم المبالغ المرصودة، بل على قدرة المجتمع الدولي على ضمان أن تصل الأموال إلى المشاريع الحقيقية داخل غزة دون عوائق بيروقراطية أو تجاذبات سياسية.
الإعمار كفرصة سياسية واقتصادية لغزة
وسط الأرقام الضخمة والتعهدات المتزايدة، يرى خبراء التنمية أن إعادة إعمار غزة ليست مجرد استجابة إنسانية، بل فرصة لإعادة صياغة الواقع الاقتصادي والسياسي للقطاع.
فوفقًا لتقرير الإسكوا، فإن مشاريع البنية التحتية الكبرى يمكن أن توفر أكثر من 250 ألف فرصة عمل خلال السنوات الخمس الأولى، وتعيد تشغيل 60% من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
ويشير التقرير إلى أن كل دولار يُستثمر في الإعمار يولّد ما بين 1.6 و1.8 دولار من الناتج المحلي الفلسطيني، ما يجعل الإعمار قاطرةً اقتصادية حقيقية.
وتضيف Financial Times أن الإعمار “اختبار سياسي بقدر ما هو تحدٍ هندسي”، مشددة على أن نجاحه يعتمد على وحدة الموقف الفلسطيني وشفافية إدارة الموارد.
أما البنك الدولي فيؤكد أن دمج غزة في الاقتصاد الإقليمي عبر ممرات تجارية آمنة ومشاريع طاقة مشتركة يمكن أن يحوّلها إلى منطقة اقتصادية ناشئة على المتوسط.
ويرى خبراء فلسطينيون تحدثوا لوكالة الأناضول أن الإعمار الناجح يعني أيضًا استعادة الثقة والأمل لدى الأجيال الشابة، فالمشاريع الجديدة ليست مجرد إسمنت وحديد، بل رموز لنهضة ممكنة يمكن أن تنقل غزة من خانة الكارثة إلى فضاء الحياة الطبيعية والكرامة الإنسانية.






