شهدت فرنسا يوم الأربعاء واحدة من أوسع موجات التعبئة الشعبية منذ سنوات، مع خروج آلاف المحتجين في مختلف المدن تلبية لدعوة حركة “لنغلق كل شيء”. وبحسب وزارة الداخلية، فقد أسفرت التحركات حتى الساعة الواحدة ظهرًا عن 295 توقيفًا، أكثر من نصفها في باريس وضواحيها، حيث تركزت الاحتجاجات في قلب العاصمة. المظاهرات لم تكن مجرد رد فعل عابر، بل جاءت كتعبير عن غضب اجتماعي متصاعد ضد السياسات التي ينتهجها الرئيس إيمانويل ماكرون وحكومته، وعلى رأسها مشروع الموازنة المثير للجدل.
مشروع موازنة يفجر الغضب الشعبي
الشرارة التي أطلقت هذه التعبئة الشعبية هي مقترح رئيس الوزراء فرانسوا بايرو لتقليص العجز من خلال خفض نفقات بقيمة 43.8 مليار يورو. المشروع تضمن بنودًا أثارت حساسية كبيرة لدى الشارع الفرنسي، مثل إلغاء يومي عطلة رسمية وخفض ميزانية الصحة بنحو 5 مليارات يورو، وهي إجراءات رآها كثيرون مساسًا مباشرًا بحقوقهم الأساسية وامتيازاتهم الاجتماعية. وبالنسبة لقطاعات واسعة، بدا أن الحكومة تستهدف الفئات الأضعف بينما تحافظ على امتيازات المؤسسات الكبرى، وهو ما غذّى الشعور بالظلم الاجتماعي.
أزمة سياسية تتفاقم
المناخ المشحون انعكس مباشرة على الساحة السياسية، حيث دعا بايرو نفسه إلى تصويت على الثقة في حكومته يوم 8 سبتمبر/أيلول المقبل. الترجيحات تصب في اتجاه خسارته هذا التصويت، وهو ما يعني استقالته الحتمية، لتجد فرنسا نفسها مجددًا في مأزق مزدوج: بلا حكومة قادرة على الحكم وبلا ميزانية معتمدة. هذا السيناريو يزيد من هشاشة الوضع الداخلي، ويفتح الباب أمام تعميق الأزمة بين الشارع الغاضب والنخبة السياسية.
تعبئة اجتماعية تتجاوز الحكومة
ما يميز حركة “لنغلق كل شيء” أنها لا تقتصر على رفض سياسات الحكومة، بل تتبنى خطابًا أوسع يطال الشركات الكبرى والبنوك. على موقعها الرسمي – الذي أُزيل لاحقًا – طرحت الحركة جملة من المطالب، مثل تعزيز الاستثمار في القطاع العام، وقف إلغاء الوظائف، والإبقاء على جميع أيام العطل الرسمية. كما دعت إلى مقاطعة المتاجر الكبرى مثل كارفور وأمازون وأوشان، معتبرة أنها تستفيد من تخفيضات ضريبية ودعم حكومي على حساب العمال. الحركة شجعت أيضًا على سحب الأموال من البنوك الكبرى، متهمة إياها بالتواطؤ في “سياسة الهدم الاجتماعي”، والدعوة إلى “احتلال سلمي” لمقار رمزية مثل البلديات ومحافظات الشرطة.
الشارع كمسرح بديل للسياسة
يرى خبراء في التاريخ السياسي الفرنسي، مثل أندرو سميث من جامعة كوين ماري في لندن، أن سقوط الحكومة في الثامن من سبتمبر سيمنح الحركة زخمًا مضاعفًا، إذ سيشعر الناس بأن الشارع أصبح الساحة الوحيدة لممارسة السياسة. وفي هذه الحالة، من المتوقع أن تكون مظاهرات 10 سبتمبر أكثر كثافة وخطورة، لأنها ستجري في ظل فراغ سياسي واضح. بالفعل، حصد منشور مرتبط بالحركة على منصات التواصل أكثر من مليون ونصف مشاهدة، ما يعكس حجم التعبئة الرقمية وقدرتها على التحول إلى قوة ضغط حقيقية.
معركة مفتوحة على مستقبل فرنسا
تدل هذه التطورات على أن فرنسا تدخل مرحلة غير مسبوقة من التوتر السياسي والاجتماعي. فالحكومة تواجه أزمة شرعية حادة، والمعارضة غير قادرة على تقديم بديل واضح، فيما يفرض الشارع نفسه لاعبًا رئيسيًا يملك القدرة على تعطيل عجلة الدولة. حركة “لنغلق كل شيء” قد تكون بداية تحوّل في المشهد السياسي الفرنسي، ليس فقط من حيث المطالب الاقتصادية، بل أيضًا من حيث إعادة تعريف العلاقة بين السلطة والمجتمع.






