في مشهد يعكس عمق المأساة الإنسانية في قطاع غزة، شهد مركز توزيع المساعدات الغذائية الذي أقيم غرب مدينة رفح جنوب القطاع، اليوم الثلاثاء، حالة من الفوضى الشاملة عقب تدافع آلاف الفلسطينيين المحاصرين الذين هرعوا إلى الموقع في أول أيام تطبيق الآلية الإسرائيلية الجديدة لتوزيع الإغاثة. وقد أدى التدافع إلى فقدان السيطرة الكاملة على الموقع، وسط انسحاب مذعور لعناصر شركة أمنية أمريكية كانت تتولى الإشراف على المركز، ما فتح الباب أمام انتقادات لاذعة من جهات فلسطينية رسمية وشعبية.
مركز إغاثة يتحول إلى ساحة فوضى
المركز الذي أُنشئ من قبل الجيش الإسرائيلي وتديره شركة أمنية أمريكية خاصة، بالتعاون مع “مؤسسة إغاثة غزة” المدعومة أمريكياً، كان من المفترض أن يكون نموذجاً لما تصفه تل أبيب بـ”الآلية الجديدة الإنسانية” القائمة على توزيع المساعدات ضمن ما تُسمى بـ”مناطق العزل” التي يفرضها الجيش داخل القطاع. غير أن ما جرى على أرض الواقع كان نقيضاً تماماً لهذا الهدف. فقد احتشد آلاف الفلسطينيين في محيط المركز منذ ساعات الفجر، في مشهد يعكس عمق الجوع واليأس، قبل أن تتحول العملية برمتها إلى حالة من الانفلات التام بعد أن عجزت الشركة الأمنية عن السيطرة على الحشود.
انهيار أمني وانسحاب أمريكي تحت الحصار
مصادر أمنية فلسطينية أكدت أن الموقع، الذي شُرع في تشغيله اليوم، لم يصمد لساعات قليلة، إذ سارع السكان إلى اقتحامه بعد أن فقدوا الثقة في آلية التنظيم وبدأت مشاهد الفوضى تتسارع. التدافع العشوائي أدى إلى الاستيلاء الجماعي على المساعدات، فيما حاول عناصر الشركة الأمنية الأمريكية ضبط الوضع لكن دون جدوى، ما دفعهم إلى الفرار من الموقع تحت حماية الجيش الإسرائيلي الذي تدخل لإجلائهم.
وبحسب ما أوردته هيئة البث الإسرائيلية (كان)، فقد اضطرت القوات الإسرائيلية إلى التدخل الميداني بعد تلقي إشارات استغاثة من طاقم الحماية الخاص بالموقع، مؤكدة أن العناصر الأمنية الأمريكية لم يتمكنوا من التعامل مع “الواقع المعقّد على الأرض”.
حكومة غزة: مشروع فاشل ومشهد مأساوي
في تعليق لافت على ما حدث، اعتبر المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أن المشهد يعكس “فشلاً ذريعاً” في إدارة مشروع توزيع المساعدات، الذي وصفه بأنه جزء من “مناطق العزل العنصرية”، مؤكداً أن ما جرى هو “صورة مأساوية مؤلمة” لواقع الحصار المفروض على القطاع منذ أكثر من ثلاثة أشهر.
وأشار المكتب إلى أن ما دفع الآلاف إلى اقتحام المركز هو “الجوع القاتل” الذي نال من سكان غزة المحاصرين بعد انقطاع تام للمساعدات الإنسانية. وأكد البيان أن “ما حدث يمثل دليلاً دامغاً على فشل الاحتلال في إدارة الأزمة الإنسانية التي صنعها عمداً عبر سياسات التجويع والحصار”، معتبراً ذلك “جريمة إبادة جماعية مكتملة الأركان بموجب القانون الدولي”، وداعياً الأمم المتحدة ومجلس الأمن إلى التدخل الفوري لفتح المعابر وإدخال المساعدات دون قيود أو وسطاء.
اتهامات متبادلة وتبريرات غربية
في المقابل، أصدرت “مؤسسة إغاثة غزة” بياناً ذكرت فيه أن الكثافة البشرية المفاجئة في موقع التوزيع شكلت “تحدياً كبيراً” لفرقها، مما اضطرهم إلى التراجع لتفادي وقوع إصابات في صفوف العاملين والمستفيدين. ولفتت إلى أن المؤسسة نجحت حتى الآن في توزيع نحو 8000 صندوق غذائي، ما يعادل 462,000 وجبة.
إلا أن المؤسسة ألمحت في تبرير غير مباشر إلى أن حركة حماس كانت وراء تأخير وصول السكان إلى الموقع، متهمةً إياها بفرض “حصار داخلي” ساهم في تعقيد عملية الوصول للمساعدات، وهي تصريحات من المتوقع أن تثير جدلاً في الأوساط الفلسطينية، التي ترى في مثل هذه الاتهامات محاولة لصرف الأنظار عن الإخفاق الميداني الواضح.
مقاطع مصورة توثق لحظة الانهيار
مواقع التواصل الاجتماعي عجّت بمقاطع الفيديو التي وثقت لحظة اقتحام الآلاف لمركز المساعدات، في مشاهد توضح حجم الأزمة وتكشف عن عجز السلطات الإسرائيلية والشركة الأمنية الأمريكية عن إدارة العملية منذ بدايتها. وتظهر التسجيلات هروب عناصر الأمن من الموقع وسط فوضى عارمة، فيما يسمع دوي طلقات نارية من قبل القوات الإسرائيلية لتفريق الحشود، مما أسفر عن وقوع إصابات بين المدنيين، وفق ما أكدته مصادر طبية محلية.
مأزق إنساني وإداري
فشل اليوم الأول من هذه الآلية يضع إسرائيل وشركاءها في موقف حرج أمام المجتمع الدولي، لا سيما بعد الترويج لمشروع “مناطق العزل” كممر إنساني آمن لتوزيع الإغاثة بعيداً عن سطوة الفصائل الفلسطينية. لكن الميدان أظهر أن الجوع واليأس لا يمكن التحكم فيهما عبر شركات أمنية خاصة أو خطط عسكرية مفروضة من خارج الواقع.
ويعكس الحادث أيضاً هشاشة الرهان الغربي على آليات بديلة للمساعدة الإنسانية في غزة، في ظل استمرار القصف والحصار، وغياب أي أفق لحل جذري يُعيد الحياة إلى ملايين المدنيين المحاصرين.
جوع يسبق أي خطة
ما حدث اليوم في رفح ليس مجرد خلل في التوزيع، بل هو تحذير صارخ من انفجار إنساني متواصل لا تملك إسرائيل ولا داعموها أدوات لاحتوائه. الجوع في غزة سبق كل الخطط وكل التصورات، وسيظل دافعاً للفوضى والانهيار ما لم تُفتح المعابر وتُرفع القيود ويُعترف بأن الحل الإنساني لا يمر عبر منظومات أمنية بل عبر إرادة سياسية حقيقية لإنهاء الحصار، وإنقاذ ما تبقى من كرامة الإنسان في القطاع المنكوب.






