قصف برج سكني وسط تحذيرات بالإخلاء، وارتكاب مجزرة في خيام نازحين، وتوسع المجاعة — هذه الوقائع الأخيرة في غزة لا تُقرأ بمعزل عن السياق الاستراتيجي والسياسي الذي أنتجها. صدر إنذار إسرائيلي لسكان أجزاء من مدينة غزة يطالبهم بالانتقال جنوباً نحو منطقة «المواصي» عبر شارع الرشيد، ثم تلتها ضربات جوية استهدفت أبراجاً سكنية بينها ما أُعلن عنه كمبانٍ تُستخدم «بنى تحتية» لحماس، بينما بقيت مصطلحات «المنطقة الآمنة» و«الممرات الإنسانية» بلا ضمانات فعلية لسلامة المدنيين. هذه التسلسلية — تحذير بالإخلاء ثم قصف مبانٍ مأهولة — أفرزت ذعراً واسعاً ونزوحاً داخلياً مكثفاً في وقت يعاني السكان فيه أصلاً من نقص السكن والمياه والدواء.
عملية برية موسعة
الاستهداف المباشر لخيام النازحين والكتل السكنية يغيّر طبيعة الصراع من عمليات عسكرية على «أهداف محددة» إلى عمليات تفرض تهجيراً قسرياً واسع النطاق وتفريغاً للسكان من أماكنهم، وهو ما تُشير إليه التحركات الإسرائيلية الأخيرة بصفتها جزءاً من خطة لتهجير سكان غزة نحو الجنوب تمهيداً لعملية برية موسعة. هذا النمط يثير أسئلة جوهرية حول التناسب والتمييز في أعمال العنف، وبمعنى آخر حول مدى احترام قواعد القانون الإنساني الدولي التي تحظر العقاب الجماعي وتهجير السكان المدنيين بالقوة.
أما من الناحية الإنسانية فالحصيلة مأساوية ومتصاعدة: موجات قصف تزامنت مع تفشٍّ مُثبت للمجاعة في أجزاء من غزة، حيث أقرّت جهات أممية ووكالات صحية أن معايير المجاعة قد تحققت فعلاً في مناطق مكتظة بالسكان، مع ارتفاع حالات الوفاة المرتبطة بسوء التغذية وازدياد أعداد الأطفال والشيخوخة الذين يعانون انعدام الأمن الغذائي. في ظل هذا الواقع، يصبح أي كلام عن «ممرات إنسانية» شكلياً ما لم يصحبه فتح مستدام لواردات الغذاء والدواء والوقود تحت حماية وضمان دولي واضح.
فرض تدابير رادعة
تأتي أيضاً تقارير عن إطلاق نار على مجوّعين أثناء محاولتهم الوصول إلى نقاط توزيع المساعدات، واستهداف قوافل أو مواقع قربها، مما يزيد من الانطباع أن آليات التوزيع نفسها غير آمنة وأن التنظيم الإداري لتدفق المساعدات قد تعرض للاختراق أو الفشل، بما في ذلك ما ذُكر عن جهات جديدة أو متعاقدين أجانب متورطين في تدفق المساعدات وإدارتها. هذا الواقع يضاعف معاناة المدنيين ويحوّل وصول المعونات إلى مقامرة محفوفة بالمخاطر.
من زاوية المحاسبة، يبدو أن المسار التقليدي للمساءلة عاجز: مجلس الأمن يتعثر أمام ولاءات دولية وتهديدات بالفيتو، والمحاكم الدولية تواجه عوائق عملية وسياسية تجعل تحقيقات مستقلة وفرض تدابير رادعة أمراً بطيئاً وغير مضمون النتائج. هذا الفراغ الدولي في المساءلة يعطّي قوة دفع للدافعين إلى الحلول الأمنية القسرية ويقلّص حوافز البحث عن حلول تفاوضية تحفظ حدّاً من الضمانات للمدنيين.
وقف فوري لأعمال العنف
استمرار القصف مع مواصلة مفاوضات أو جولات وساطة يعكس منطقاً مزدوجاً: الاستهداف العسكري يُستخدم لفرض شروط تفاوضية من موقع القوة، فيما تظل جولات التفاوض وسيلة للحفاظ على قنوات اتصال تتيح تبادلات محدودة (مثل صفقة أسرى) وإدارة أزمة مؤقتة. هذا المنحى قد يطيل أمد المعاناة إذا بُنيت التهدئات على حلول مؤقتة لا تتناول قضايا الاحتلال، الحصار، وإعادة الإعمار.
ما لم يتوقف القصف الفوري للمناطق المأهولة، ويُفتح ممر إنساني آمن ومستدام بوضع قانوني واضح، وتتحقق ضمانات لتوزيع المساعدات ومنع استهداف النازحين والمجوّعين، ستستمر دائرة العنف والمجاعة والتهجير. المساءلة الدولية تبدو حالياً ضعيفة، والحلول المرحلية التي تُدار منطقياً عبر تبادل أطراف القوة لن تضع حداً لمعاناة المدنيين. لذلك، فإن الأولويات العاجلة المطلوبة عملياً هي: وقف فوري لأعمال العنف ضد المناطق المدنية، فتح معابر إنسانية تحت إشراف دولي مستقل وملزم، حماية نقاط توزيع الغذاء والمياه، وإطلاق تحقيقات دولية مستقلة تُكفل حفظ الأدلة ومساءلة من يثبت تورطه في جرائم ضد المدنيين.






