في عيد الفطر هذا العام، تبددت فرحة المسلمين في القدس أمام واقع مؤلم طال ثالث الحرمين الشريفين، المسجد الأقصى، الذي ظل مغلقًا منذ بدء الحرب على إيران قبل ثلاثة أسابيع. إغلاق المسجد لم يكن مجرد قرار إداري، بل يمثل استمرارًا للسياسات الإسرائيلية التي تحول المدينة المقدسة إلى مسرح للصراع والسيطرة، حيث تحاصر الفلسطينيين وتقيّد ممارسة شعائرهم الدينية الأساسية، وسط مزاعم أمنية تتناقض مع الحقوق الدينية والسياسية للسكان.
تجمع المصلين أمام أسوار البلدة القديمة يعكس مواجهة يومية بين الحق الديني والسيطرة الاحتلالية، حيث تحولت الصلاة في الشارع إلى رسالة صمود، ورمز للتشبث بالهوية والدين وسط قمع صارم وعنف مباشر من الشرطة الإسرائيلية، بما في ذلك استخدام القنابل المسيلة للدموع والدفع بالركلات والصفعات. المشهد المتواضع الذي جمع بضع مئات من المصلين، مقارنة بالعدد المعتاد في باحات المسجد، يبرز حجم التحدي الذي تواجهه القدس وأهلها، ويكشف عن أثر مباشر للصراع الإقليمي على حياة المواطنين اليومية.
غلق المسجد الأقصى كارثة على المسلمين
وقال وجدي محمد شويكي، إن “رمضان (هذه المرة) حزين ومؤلم” بسبب “مصادرة” المسجد الأقصى، ثالث الحرمين الشريفين لدى المسلمين. ورأى الرجل الستيني أنه “وضع كارثي.. على أهل القدس بشكل خاص، وأهل فلسطين عموما، وعلى كل المسملين في شتى بقاع الأرض”. حسب عرب 48.
تُعدُّ مدينة القدس نقطة خلافية أساسية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وموضوعا لتوتر دائم. إذ تزعم إسرائيل التي احتلت الشطر الشرقي من القدس عام 1967 وضمّته، أن المدينة “الموحّدة” بهذه الصورة هي “عاصمتها الأبدية”، في حين يطمح الفلسطينيون إلى أن يجعلوا منها عاصمة الدولة المستقلة ذات السيادة التي يتطلعون إليها.
وتستمر السلطات الإسرائيلية بمنع الصلاة في المسجد الأقصى المبارك، والدخول إلى الأماكن المقدّسة في البلدة القديم التي تشمل المسجد الأقصى، وكنيسة القيامة، وحائط البراق الذي يسميه اليهود “حائط المبكى”، وذلك منذ بدء الحرب على إيران قبل 21 يوما، تحت مزاعم أمنية.
صلاة العيد في الشارع
ونظرا إلى منع المصلين من الوصول إلى المسجد الأقصى، حاول عدد منهم في الأيام الأخيرة أن يقيموا الصلاة أمام أسوار البلدة القديمة، تحت أنظار عناصر الشرطة الذين لم يترددوا عن قمعهم بعنف. ولدى بزوغ فجر أول أيام العيد الجمعة الماضي، راحوا يتوافدون إلى المكان في مجموعات صغيرة، تضم رجالا من مختلف الأعمار، يحمل بعضهم سجادات الصلاة.
حاول المصلّون الاقتراب من الأبواب وهم يرددون هتافات التكبير والشهادة. وراح العشرات من عناصر الشرطة يدفعونهم إلى الخلف، أحيانا بالركلات أو بصفعات خلف الأذن، أو باستخدام القنابل المسيلة للدموع مرتين على الأقل. وعاود المصلّون الكرّة، فقبلت الشرطة في نهاية المطاف السماح لهم لبضع دقائق بهذه الصلاة في الشارع، وسط الطريق، وكان يؤمهم إمام وقف على كرسي بلاستيكية صغيرة.
وتوجّه الإمام إلى المصلّين قائلا “اجعلوا من صلاة العيد علامة على عهد جديد مع الله. صلّوا، وادعوا الله القدير، وارجوا أن تُستجاب دعواتكم”. وفي خاتمة هذا الكلام الديني، كان الشق السياسي الذي عبّر عنه الإمام بقوله “اللهم انصر المستضعفين”. وراح عناصر الشرطة الإسرائيلية عندها يدفعون المصلين الذين تفرقوا من دون مقاومة في الأزقة، واشتروا في طريقهم أرغفة خبز ساخنة معروضة على بسطات الشارع.
شعور حزين أضفى فرحة العيد
ومع أن هذا التجمع متواضع في ظاهره لاقتصاره على بضع مئات من المصلين، إلا أنه حدث غير مألوف. لاختلافه عن المشهد المعتاد في عيد الفطر، إذ تحتضن باحة الاقصى أكثر من 100 ألف مصل وعائلاتهم. وذكّر الشيخ أيمن أبو نجم من بيت حنينا، بأنّ “الاحتلال، بذريعة الحرب، ولأهداف عنده، أقدم على إغلاق المسجد الأقصى قبل 20 يوما”.
وأضاف أنّ “الأصل هو أننا كمسلمين نصلي العيد في المسجد الأقصى”، مشيرا إلى أنّها “أطول فترة يُغلق فيها المسجد الأقصى في تاريخ الاحتلال”. أما زياد منة الذي شارك في الصلاة أيضا فقال، “رمضان السنة كانت بدايته جيدة، ولكن… عندما أُقفِل المسجد الأقصى وحصلت الحرب، كان الشعور حزينا جدا، وكان شعورا بالقهر”.
وقال ناطق باسم الشرطة الإسرائيلية في وقت لاحق، إنّ قوات الأمن “سمحت بإقامة الصلوات في الشارع… من دون تدخّل، رغم مستوى التأهّب المرتفع”. وأضافت الشرطة أنّ “العناصر اضطرّوا مع ذلك إلى تطبيق التعليمات… عندما تجاوزت الحشود لاحقا القدرة المسموح بها وبدا أنها تحاول… الدخول إلى البلدة القديمة”، بزعم أنّ “التفريق لم يتمّ إلا من أجل سلامة الجمهور” في حال وقوع ضربات صاروخية.





