يُشكّل الحصار المفروض على مدينة القدس، لا سيما البلدة القديمة، والمسجد الأقصى وكنيسة القيامة، امتدادًا لسياسة إسرائيلية متصاعدة تستهدف تغيير الطابع الديمغرافي والديني للمدينة، وتعميق السيطرة الاحتلالية عليها، تحت غطاء ما يُسمّى بـ”حالة الطوارئ”. هذه الإجراءات تتخذ طابعًا تصعيديًّا مركبًا، يجمع بين القمع الأمني والعقوبات الجماعية والاعتداءات الدينية، في إطار محاولة فرض أمر واقع جديد، يهمّش الوجود الفلسطيني ويُضعف رمزية المدينة ومقدساتها في الوعي الجمعي الفلسطيني والإسلامي والمسيحي.
تقويض السيادة الدينية الإسلامية والمسيحية
الإغلاق المستمر للمسجد الأقصى وكنيسة القيامة – وهما من أقدس الرموز الدينية الإسلامية والمسيحية – لا يحمل فقط أبعادًا أمنية كما يروّج الاحتلال، بل يتقاطع مع المشروع السياسي الإسرائيلي الهادف إلى تقويض السيادة الدينية الإسلامية والمسيحية على الأماكن المقدسة، واستبدالها بحضور يهودي متزايد، تؤكده مشاهد النفخ في البوق، والصلوات داخل حرم الأقصى، ومحاولات تحويل حائط البراق إلى واجهة تجارية توراتية عبر بيع الحجارة.
في المقابل، يُحاصر المقدسيون داخل مدينتهم بحواجز عسكرية وسواتر ترابية وجدار فصل عنصري، في ممارسة يومية للعقاب الجماعي، ترمي إلى تقطيع أوصال المدينة وفصلها عن امتدادها الفلسطيني الطبيعي في الضفة الغربية، وتكريس عزلها عن محيطها الوطني والاجتماعي. هذا الطوق الأمني يعمّق من الضائقة المعيشية والاقتصادية والنفسية لسكان القدس، ويعزز مناخات التوتر والعداء والعجز، في ظل شلل شبه كامل في الحركة التجارية والتعليمية والدينية.
تخصيص ملاجئ للمدنيين
الأحداث الميدانية الأخيرة، لا سيما إطلاق النار العشوائي على الأطفال والشباب، واقتحام الأحياء واعتقال السكان، تدل على تجاوز الاحتلال للحدود الدنيا من المعايير القانونية والإنسانية. إطلاق الرصاص الحي على طفل في الثانية عشرة من عمره بينما يقف على باب منزله، يُعبّر عن منطق تفلّت أمني وقضائي، تتصرف فيه قوات الاحتلال باعتبارها فوق القانون.
في موازاة ذلك، فإن ما تروّج له السلطات الإسرائيلية بشأن تخصيص ملاجئ للمدنيين لا يُعدو أن يكون أداة إعلامية هدفها الإيحاء بوجود بعد إنساني في ممارساتها، في وقت تفتقر فيه غالبية منازل المقدسيين للملاجئ، بينما المدارس والمرافق المُخصصة لا تفي بالغرض، بل تمثل في بعض الحالات خطرًا على حياة المدنيين بسبب بنائها القديم أو تردي حالتها الإنشائية.
تقليص الحضور الفلسطيني
إن ما يجري في القدس اليوم لا يمكن عزله عن السياق الأوسع للمواجهة الإقليمية التي تأخذ أبعادًا عسكرية وسياسية متسارعة، فإسرائيل تسعى لتوظيف التصعيد في غزة ولبنان وإيران لإعادة ترتيب مشهد السيطرة في القدس، وتقليص الحضور الفلسطيني، خاصة في البلدة القديمة، وفرض وقائع جديدة في الحرم القدسي الشريف.
إن استمرار هذه السياسات دون مساءلة دولية يشكل تهديدًا مباشرًا ليس فقط للحقوق الفلسطينية، بل للاستقرار الإقليمي والعالمي، لما تحمله القدس من حساسية دينية وسياسية عابرة للحدود. وعلى الرغم من هذه الضغوط، يظل صمود سكان القدس وتمسكهم بحقهم في مدينتهم ومقدساتهم بمثابة حجر الزاوية في إفشال هذه السياسات، وهو ما تثبته مظاهر المقاومة اليومية رغم شدة الحصار والملاحقة.




